يد السلام هي العليا

صحيفة الشرق الأوسط

5\4\2004

ما أبرع في الخليقة منّا في تجسيد المقولة "أقوى حجة وأسوأ مُدافع عنها". وكأنه يجب أن نُحيل الباطل حقاً والظالم مظلوماً والإرهابي بريئاً ومسكيناً. وأن نمحو صورة الدرّة عن الذهن تماماً ونستبدلها بصور أطفالهم ونسائهم المشتتة بقايا جثثهم على قوارع الطرق، وما نلبث أن نرى جدران الإسمنت الشاهقة ترتفع من حولنا فتلتهم الأرض وتضيق بمساحات السجن الخانق الذي يحدِّد حركتنا ولا حول لنا ولا قوّة لأن المجتمع الدولي اقتنع بادعائهم وكذلك أبناء شعبهم فأصبحنا نحن المعتدين الهمجيين بينما نحن الضحية.

وما أسهل أن ترتفع وتيرة غضبنا والحالة هذه، ودرجة إحباطنا ويأسنا، فنندفع بعواطفنا الجيّاشة لارتكاب مزيد من الأعمال الغضبية التي إنما تزيدنا غرقاً وتزيد الجدران ارتفاعاً، وبينما نحن كذلك تراهم منهمكين في استزادة نهبهم واستيطانهم لما وراء جدران قرانا ومدننا من أراضٍ ومياه، معلّلين ذلك بالدين تارةً وبهمجيتنا تارةً وبانعدام النية الصادقة لدينا للسلام تارةً، وما أكثرهم ابتهاجاً بسريرتهم عندما يخرج من بيننا صوتٌ داعٍ للِسلم والسلام فتنقّض عليه ادٍعاءاتِ التفريط والتخوين والتهاون والتخاذل، إذ ما يلبث وأن يُشار إلى ذلك كدليل جديد لإثبات أنه وإن كان هنالك مِن بيننا مَن هو عاقل فلا يعدو كونَه صوتاً فريداً أو هامشياً أو ضعيفاً، الأمر الذي يؤكد المقولة الأساسية لديهم أننا لا نريد أو نستحق السلام، فيمضون قُدماً في تثبيت وتجذير استيطانهم وبناء جدرانهم ولا حياة لمَن تنادي، فمن تنادي قد أعماه السخط والغضب عن إدراك طبيعة شباكهم وأفخاخهم ومنهجهم.

ومن نافلة القول أن تدغدغ عواطف المسخوط الذي يقطُر دماً حين يرى أو يسمع عن إراقة دماء أحدهم أو بعضهم، فكأنه يستعيد شيئاً مما يفقده أوإنه يسعد لإدمائهم وإيلامهم، وكأن المسألة لا تعدو كونها تنافساً على الإيلام والإدماء، بينما الحقيقة هي أن صراعنا هو على أمر أمٌر من الإيلام، وهو الوجود وذلك بعد أن أخفقت تراساتنا الخطابية عن التصدي لاستراتيجيتهم العسكرية، فسقطت يافا بين أيديهم بالرغم من بلاغاتنا وبلاغتنا، وتبعتها القلة المتبقية في الضفة وغزة، واستشرت أبنيتهم وطرقاتهم في أحشاء هذه القلة المتبقية، بينما لا زال أطفالنا يولدون في مخيماتهم المنكوبة في الشتات يقتاتون على برتقال وهمي قد عصرته في الأثناء الأيدي الغاصبة وأحالته رميماً، ولا زال شعراؤنا يقتنصون المفردات النارية التي تتأجّج في الخيال لهباً، ولا زال قياديونا يعدون ويتوعدون على كراسيهم العالية. فهيهات زمن كان فيه الشعر والخطاب للنصر رفيقاً قبل أن يصبح له بديلاً.

لم نرفع راية استسلام بيضاء حين رفعنا شعار الإنتفاضة السلمية بل أشهرنا سلاحنا الحقيقي، فشتّان بين سلاح ما أن تُشهره حتى يُضاف تلقائياً لترسانة خصمك، وآخر يحيل ترسانة خصمك برداً. فانظروا شهيدين صالحين أرديا قتلاً، أحدهما وهو الشيخ ياسين لم يحظَ حتى بقرارِ دولّي يُدين جُرم اغتياله، وكان مع ذلك مسناً مقعداً مقيداً، والآخر وهو الدرّة، وكان طفلاً يافعاً. ارتبطت صورة ياسين بالسلاح المدمي فطار الإسرائيليون بجريمتهم فرحاً، بينما التصقت صورة الدرة بالبريء الأعزل، فتخبّط الإسرائيليون هلعاً. إستشهد أثنانهما قتلا فكسبوا من قتل أحدهما و خسروا من قتل الآخر، و أما نحن ففقدنا كليهما. فنتسائل: كيف نحيل قتلهم لنا مكسبا ؟ كيف نحيل إستشهادنا للحق لهم مخسرا؟ أنتبارى بدمويتهم و عتادهم أدمى أم نجردهم من دباباتهم بعري صدورنا ؟ أوَ لسنا عزًل من السلاح أصلا ؟ فإنما الدعوة لأنتفاضة سلمية لم تأت إستسلاما وعبثا، بل أتت إستراتيجية ونهجا.

و لنا في الإنتفاضة الأولى عبرة و درسا. فلقد جندنا الشعوب و شعبهم إلى صفنا. وفرضنا إعترافهم جميعا بحقنا. و كان ذلك عن طريق عصيان جماهيري مدني توخًينا ما أمكن أن يكون من السلاح مجردا. فأمثلوا بالبدء فينا تمثيلا. و انتهوا بالرضوخ للجلوس على طاولة المفاوضات معنا. إذ لم تقبل الشعوب أو شعبهم أن يردوا الدرًة منًا قتيلا المرًة تلو الأخرى. و كنًا في الأثناء قد حددنا هدفا ممكنا و مقبولا. فبدأ العدُ التنازليُ للإحتلال حينها. فأن تختار الساحة القتالية التي فيها سلاحك هوالأمضى خير لك من أن تنجرٌ إلى مواجهة عتاد خصمك فيها هو الأقوى.

و السباق بيننا ليس على الشجاعة والإقدام وانما هو على تثبيت الأقدام، فهو على الأرض و الهوية، وهو سباق على التدبير المحكم الذي يثبت الحياة و ليس على إثبات الإنتماء و العطاء الذي يصل حد الشهادة، بل هوسباق نحو إستنشاق هواء الحرية و الكرامة. و خسىء من ضحى بنعمة ربه فقط لإثبات إقدامه، فلقد وهبنا الحياة لنحيا، ووهبنا الإقدام لنسعى، ووهبنا العقل لوصل السعي مع الحياة الحرة الكريمة.

لقد إستثمر شارون المواجهة الدموية معنا أفضل إستثمار، فحطم سلطتنا، و دمر إستثماراتنا بالبنى التحتي و الإقتصادي، و صادر أرضنا بذريعة جدار صد العدوان، وأوقع بيننا و بين المجتمع الدولي، و فرض علينا واقعا تفاوضيا محتملا أسوأ مما كان، و أقنع كبرى الدول بأن القيادة الفلسطينية ليست شريكا لأية مفاوضات، و بهذا مهٌد لنفسه الطريق لفرض حلٍ أمنيٍ أحاديٍ. ثم جعل الفسطينيين أنفسهم يدفعون الجزء الأكبر من ثمن ذلك بدمائهم الزكية. و ما أبرعه في تحريك الجمرات لتلتهب مجددا. فما أن تستكين الناس للهدوء ينقض عليهم مجددا. فيغتال خيرتهم و أحبهم للذين من حولهم. فيدفع بهم للذود عن كرامتهم بأغلى ما يملكون. ثم يعود فيستثمر رد فعلهم المتوقع بل المخطط للولوج في مرحلة إستراتيجية إضافية نحو منشوده. و تضيق الحلقة حول رقبة الفلسطينيين، ليس لعدم إستعدادهم المستمر للتضحية و الفداء بأرواحهم، بل بسبب هذا الإستعداد منقطع النظير، والذي يتم تقدمته للأسف في الساحة القتالية الخاطئة، فيخدم إستراتيجية الخصم، و كأننا في ذلك نهبهم سلاحنا مجانا.

إن ساحتنا القتالية السليمة في ظل هذه الظروف و المعطيات هي الساحة السلمية، و سلاحنا الأمضى أمام ترسناتهم العسكرية هو تجردنا من أي سلاح، و حجتنا الأقوى أمام شعوب ألعالم و شعبهم أننا نريد السلام، ليس على حسابهم، و لكن لحسابنا نحن كبشر، و نقولها و نؤكدها حتى و لو تضرخنا بالدماء، و نأبى أن نتحول وحوشا مفترسة مثلهم، بل نؤكد على إنسانيتنا جوهرة ثابتة، نستشهد حفاظا عليها و لكن ليس تعبيراً عن فقدانها، و ما الهزيمة الحقيقية إلا أن نستحيل قتلة كالذي نقاتل، فإن يسلبون حريتنا لا ندعهم يسلبون انسانيتنا. وليست المعادلة الحقيقية مخلولة التوازن استراتيجياً كما قد يُظن، وسبق أن أشرت اليها قبل عشرين عاماً. فنقطة ضعفهم هي ذاتها مخزوننا الحقيقي، وهو الواقع الديمغرافي الذي يدفع بيهوديتهم وديمقراطيتهم الى التآكل الداخلي، فلهم أن ينقذوا أنفسهم أو أن يستمروا في غطرستهم، وما أمامهم إلا أن يتقاسموا الحقوق المتساوية معنا، أو أن يتقاسموا الأرض، وأما نحن فيدنا القوية هي المبسوطة الى السلام نحوهم، وهذه هى ساحتنا القتالية التي يجب أن نختار، وفيها لنا النصر المؤكد، وفيها لهم ولنا الحياة.