* الفلسفة الأخلاقية والتراث الإسلامي

 

 

كما نعلم، أثار البابا بندكتوس السادس عشر زوبعة في العالم الإسلامي قبل عام في خطابه في جامعة ريتنربرغ في ألمانيا، عندما أشار الى حوار جرى، كما قيل، بين الامبراطور البيزنطي مانويل الثاني (1391-1425) وأحد المسلمين في القرن الثالث عشر حول الاسلام، والذي برز من خلاله اتهام الاسلام بالاعتماد على القوة والعنف كنهج دنيوي خلافاً للعقل والتسامح، وكان البابا في ذلك الخطاب يسعى لأن يثبت أولاً "انسانية " "وعقلانية" الدين المسيحي، وثانياً، تجذر هذه الانسانية والعقلانية بتراث الحضارة اليونانية القديم وكأن الانسانية والعقلانية هذه إنما هي سمة لما قد يطلق عليها اسم "الحضارة الغربية"، والتي تتميز جوهرياً عن حضارات العالم الاخرى، وجاء خطاب البابا، كما نعلم، على خلفية أحداث مختلفة في أنحاء العالم، منها قيام طالبان بنسف الاصنام البوذية الأثرية في افغانستان، ومنها أيضاً قيام القاعدة بنسف المركز التجاري الدولي في نيويورك. كما وجاء على خلفية كلام بعض المثقفين بصدام الحضارات، والعداء المتزايد في الغرب للاسلام. وتصويره بأنه دين العنف والتسلط، الخ.

ومع انه لا يمكننا أن ننفي لجوء بعض المسلمين تاريخياً للقوة والعنف في بعض أفعالهم، كما لا يمكننا ايضاً أن ننفي قيام أصحاب الديانات الأخرى بالتستر بأديانهم في سياق استعمالهم للقوة والعنف من أجل تسلطهم على الآخرين. إلا ان الأمر يختلف عندما يتناول المرء التراث الفكري لهذا الدين أو ذاك، وليس أدل من ذلك في هذا السياق من كتيب يأتي أيضاً من العصر اللاتيني، ويعتبره الكثيرون اليوم مرجعاً تاريخياً أساسياً في الغرب "لانسانية" الفكر والتراث لديهم، كتبه أحد الرهبان (بيكو دلاّ ميراندولا / ت 1494) لآباء الكنيسة، وأسماه "رسالة في كرامة الإنسان" ينادي فيه بضرورة التفات الكنيسة لدور الانسان واحترامه، وإعادة قيمته له، واعتبار كرامته قيمة جوهرية له، ويستشهد في مستهل رسالته هذه، عن ما قرأه للمفكرين الاسلاميين، فيقول، انه قد وصل الى مسامعه ان المسلمين (اي خلافاً لما هو الوضع في الغرب المسيحي آنذاك) قد اعترفوا بقيمة كرامة الانسان، وذلك باعطائه دوراً متميزاً عن كافة المخلوقات، وأقروا ان كرامته هذه تتمثل في حريته الاساس التي وهبها الخالق له، والتي تؤهله بالعقل لان يختار بين دواعي الخير والشر. فيصبح من أسمى مخلوقات الكون إن أراد، أو من أدنى هذه المخلوقات. فيتميز الانسان عن بقية المخلوقات بعنصرين هما: العقل والحرية، أي الحرية بأن يختار ما يشاء، والمقدرة العقلية لأن يحتسب الأمور فيختار الأفضل مما يقع بين يديه. ومن أهم ما يرتكز إليه مفهوم "الانسانية" في الغرب المعاصر، او قل في الغرب منذ عصر التنوير، هو ايضاً هذا الفهم لطبيعة الانسان، اي القول بأن من أهم ما يميزه، ويجب احترامه لاجله، هو عقله وحريته. وما من شك ان الذين يتباهون بالتراث الديموقراطي والتسامح والتعددية الفكرية واحترام قيمة الفرد وبالتالي حقوقه المختلفة في الغرب اليوم إنما يعتمدون اصلاً على هذين العنصرين الأساسيين اللذين يحددان قيمة الانسان الفرد في ظل الاطار السياسي الذي يحتويه، أكان ذلك الاطار دينياً أم علمانياً.

أما ما يشير اليه الراهب في رسالته فهو الذي كان متداولاً آنذاك في العالم اللاتيني عن مدى التقدم الفكري والحضاري في ظل الاسلام من خلال ما كان يرشح من الغرب من ترجمات لدراسات في مختلف المجالات العلمية، وقد يبرز أكثر ما يبرز اي ما قد يتبادر الى الذهن في هذا السياق، اي في سياق ذلك التراث الفكري الذي قد نصفه بالعقلانية تلك الكتابات في الفلسفة، وهؤلاء الفلاسفة، كإبن رشد وغيره، الموسومة علومهم "بالعلوم العقلية"، والتي درج المترجمون على ترجمتها الى اللاتينية ودرج المصنفون، كإبن خلدون مثلاً، على تمييزها عن "العلوم النقلية"، والتي تتضمن علوم اللغة والفقه والكلام، ولكن، وبالرغم من هذا التمييز، وهو باعتقادي تمييز سطحي إن عُني به الفصل بين تراث منقول وتراث محدث، فإننا قد نجد ان من أكثر المفكرين تشيعاً للعقل والحرية في التاريخ الاسلامي هم المعتزلة من المتكلمين، ومنهم من سوف أتعرض بعجالة في هذه المداخلة الى ما جاء في احد تصنيفاته التي تم اكتشافها في القرن الماضي، وهو القاضي عبد الجبار الهمذاني.

يتعرض القاضي عبد الجبار، احد عمالقة الفكر العربي الاسلامي، في مستهل الجزء الثامن من موسوعته الثرية "المغني في ابواب التوحيد والعدل"، وهو الجزء الموسوم "بالكلام في المخلوق"، ويحتوي على معظم كلام الأشاعرة والمعتزلة في الجبر والاختيار يتعرض، ولو بشكل عابر، لقيام الخليفة هشام بن عبد الملك بقتل غيلان الدمشقي المعروف بأنه كان من أوائل مَن قال بالاختيار، وكأن قتله هذا إنما جاء على خلفية معتقده.

ومع أن مقدم الكتاب، الدكتور الجليل ابراهيم مدكور، يستبعد وجود علاقة مباشرة بين قتل غيلان ومقولته بالاختيار، ويعزز اعتقاده هذا بالقول ان الخليفة عمر بن عبد العزيز كان قد سبق له أن جادل غيلان ولم يوقع عليه عقاباً، إلا أن تعرض القاضي لهذه القصة، وفي مستهل هذا الجزء بالذات من "المغني"، وهو الجزء الذي يعالج فيه موضوع مسؤولية الانسان عن افعاله، إنما يستدل منه أمر هو أعمق وأبعد بكثير من مجرد حادثة قتل غيلان، أو حتى من موقف سياسي تجاه خليفة بعينه، أو خلافة بعينها. فهو برأيي، إنما يشير بهذا المثال الى نظرية سياسية عامة بخصوص علاقة الفرد بالسلطة، مفادها تفريغ السلطة من أية شرعية حاكمية بخلاف اعتمادها العقلانية في تشريعاتها، وتحميل الفرد في المجتمع المسؤولية عن أفعاله من خلال القول بالحرية التي يتمتع بها لاختيار هذه الأفعال.

دعني إذن أقتبس من كلام القاضي، كمدخل لما اريد ان أطرحه عليكم اليوم في هذه المداخلة:

يقول: "وذكر شيخنا ابو علي رحمه الله، ان أول مَن قال بالجبر وأظهره معاوية، وأظهر أن ما يأتيه بقضاء الله ومن خَلقه، ليجعَله عذراً فيما يأتيه، ويوهم إنه مصيب فيه، وإن الله جعله إماماً وولاه الأمر، وفشى ذلك في ملوك بني أمية، وعلى هذا القول قتل هشام بن عبد الملك غيلان رحمه الله".

نقف هنا أمام قضيتين، خاصة وعامة، إحداهما تلك التي أشار إليها الدكتور ابراهيم مدكور، والتي تتعلق تحديداً بحادثة قتل غيلان (أو صاحبه البصري معبد الجهني)، اي اذا جاء ذلك القتل على خلفية عقائدية أم شخصية، وأما القضية الأخرى وهي الأهم والأعم، وهي التي يستعمل القاضي هذه الحادثة للانطلاق اليها، باعتبارها الأصل او الجوهر، فهي قضية موقع الانسان من فعله، ودور الانسان البالغ العاقل في رسم او صياغة معالم بيئته الحياتية، فإما أن يكون منقاداً لمَن يتولى أمره أو أن يكون سيداً لنفسه.

وإن كان القاضي لا يعاود قصة قتل غيلان في "المخلوق"، ليستعملها كمثال لما هو في معرض معالجته من مسؤولية الانسان عن أفعاله، إلا إنه يفرد لموضوع القتل تحديداً فصولاً عدة في الجزء الحادي عشر من "المغني"، والموسوم بـ"التكليف"، وذلك تحت عنوان "الكلام في الآجال"، حيث الحديث عن فيما إذا كانت آجال الناس، مثلاً من خلال قتلها، أو موتها لاسباب أخرى، محددة مسبقاً، الأمر الذي لا يترك مجالاً، إن قبل به، لحرية الناس في أفعالها، وفيما قد تتحرز من القيام بفعله، وبما قد تصبح مسؤولة عنه، باستحقاقها الذم أو العقوبة أو غير ذلك لأجله، مما يجيز لمعاوية مثلاً، أو لهشام بن عبد الملك، او غيرهما، القول بأن أجَلَ غيلان محدد مسبقاً، وأن قتله إنما وقع بإرادته تعالى، وإنما الناس مجبرة في أفعالها، وفيما يُفعل بها.

والمعضلة الماثلة أمامنا في هذا الموضع بينة، وهي في سياق القتل والموت تحديداً أعظم شأناً منها في سياق الأفعال التي نعتبرها غير ذات أهمية مصيرية، كاختيار مجلة من بين مجموعة مجلات لقراءتها، فالقتل أو الموت أمور تُعنى بالأجل، ونحن نشير الى الأجل بالإجلال، نقول عنه الأجل المحتوم، فلكل إنسان أجله، قد كُتب في لوح محفوظ، لا يستقدم ساعة ولا يستأخر، ونحن وإذ قد نسلم بالتالي بالقول بمقدرة الانسان على اختيار البسائط من أفعاله، فالأمر أعقد عندما نأتي على الحياة، وأجلها، فنقول إننا وإن كنا أسياداً لما نفعل فيها، فإننا لسنا اسياداً عليها، أي على أجلها، وقيامنا بقتل غيرنا أو قيام غيرنا بقتلنا لا يعدو كونه إذن انصياعاً لمسيرة تاريخية لا تحكم لنا بها.

والقول بالتحكم في أجَلَ الحياة أعقد بكثير من القول في التحكم بالمجالات الأخرى، كاختيار الطعام الذي نتناوله، لكن القول بقدرة الانسان، وبالتالي بدوره في اختيار ما يقدم عليه من أفعال، لا بد وأن ينطبق ايضاً على مسائلتنا الانسان فيما يفعله بالحياة، أكانت له أو لغيره، فالمبدأ نفسه، والقاضي لا يهن أمام هذا التحدي، ولا يغير من موقفه أو نظريته حتى لو بدا وكأن هنالك إخلالاً بعلمه تعالى بالآجال، فيقول مما يقول إن أجَل الانسان وعلم الله به، لا ينتقص من حرية الانسان، ومن مقدرته على التحرز من القيام على فعل كالقتل، إذ إن العلم بالشيء لا يوجب كونه أصلاً، وإن كان الأمر كذلك فعلمه تعالى بما سوف يؤول إليه المستقبل لا يوجب كون المستقبل على ذلك النحو، مما يبقي المقدرة على أن يحدث ذلك الشيء، أو لا يحدث قائمة، وينطبق هذا الكلام على الله تعالى كما ينطبق على الانسان، إذ إن علمي بأنني سوف أقوم بعمل كذا لا ينفي ان اكون قادراً على عمل عكسه، والقدرة على عمل العكس إنما تعني ان عمل الشيء ليس محتوماً.

إن الموضوع الذي يتطرق إليه عبد الجبار ليس سهلاً، وقد استعصى على الفلاسفة والمفكرين قديماً وحديثاً، ولكي يوفق عبد الجبار بين علمه تعالى من جهة وحرية الاختيار من جهة أخرى، يستعين بما قد يمكننا وصفه في المنطق الحديث بالعلم الشرطي لكي نميّزه عن العلم المباشر، فيقول مثلاً، عن الانسان الذي يتعرض للقتل، وأجله أن يعيش مائة عام، واقتبس: "إن جعله تعالى الأجل أجلاً له هو بشرط ألا يتقدم القتل، فكأنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ بأن زيداً يعيش مائة سنة إن لم يُقتل وهو ابن خمسين، ويكون ذلك أجله، وإذا قُتل وهو ابن خمسين فهذا أجله، وأنا أعلم أنه سيُقتل في هذه الحال لا محالة، فهذا منه تعالى يوجب ان أجله حال القتل دون الحال الثاني".

يبدو إننا نقف هنا أمام علم مركب ينتج عن ثلاث أجزاء، اثنان منها (أجله أن يعيش مائة عام إن لم يُقتل) و(إذا قُتل وهو ابن خمسين فهذا أجله) معارف شرطية، وهي تخالف الخبرية الجزئية، والثالث (سوف يُقتل في هذه الحال لا محالة) جزئية تتعلق بحال بعينه عند وقوعه، فيوجب التركيب هذا النتيجة (إن أجله حال القتل)، وعلمه تعالى موقوف شرطياً على صحة المقدمات، منها الجزئية (سوف سيُقتل في هذه الحال) والتي نعرف مما سبق أن علمه تعالى بها لا يوجب كونها، أي لا ينفي القدرة ان تكون أو أن لا تكون، فيبقى الانسان قادراً على القتل كما أنه قادر على الامتناع عنه.

ولست في هذا السياق معنياً بسلامة الحجة التي يسوقها القاضي وهي بالتأكيد موضع نقاش - بقدر اهتمامي بإبراز اهتمام متكلمي المعتزلة بالاختيار، أي قدرة الانسان على تحديد مساره بنفسه اي أن يكون سيد فعله أو صاحب فعله، ويتعلق بهذا الأمر كما أسلفنا موضوع آخر هو دور العقل في تحديد الأفعال، ومن ثم منظومة أخلاقية كاملة مرتبطة من جهة بمسؤولية الانسان عن فعله، الحسن منها والقبيح، وبفهم كامل من جهة أخرى لما يعتبر حسناً أو قبيحاً، أكان هذا منطبعاً بالفعل أو يتم استقصاء أمره بالعودة الى الشرع، أو وهذا سبيل عبد الجبار يحسم أمره بالعقل.

وإن جيز لي الاختصار في هذا الموضع فأقول أن الأصل في فهم هذه المنظومة هو الفصل الحاسم بين الله تعالى من جهة وصفات الأفعال من جهة أخرى أكانت أفعاله تعالى أو أفعال الانسان، بحيث لا تكون الأفعال بما نصفها لأجل أمره تعالى بها أو نهيه عنها، بل تكون كذلك لأجل وقوعها على وجوه هي زائدة على وجودها هي قبحها أو حسنها، بحيث نعرّف القبيح ما يعلم من حاله انه مما يستحق به الذم إذا انفرد، ونعرف الحسن بأنه ما يعلم من حاله انه مما لا يستحق به الذم على وجه، كما أتى القاضي في تعريف ذلك في مستهل الجزء السادس من المغني، وفي تاريخ الفلسفة الأخلاقية قد وُجد كما ويوجد من هم من أصحاب الطبائع، أي مَن يقول بحلول الصفات الأخلاقية في الأشياء نفسها، كما في الأفعال، فإن لم تكن حسنة لأمره تعالى بها، فتكون كذلك لأنها بطبعها هكذا. لكن القاضي يرفض هذا الفهم أيضاً، كما رفض أن تعزى أوصاف الفعل إلى الله تعالى، فالحسن والقبيح ما يعلم من حالهما استحقاق المدح أو الذم، لكن الأفعال التي قد تكون من شأنها استحقاق هذا أو ذاك قد تقع على أحوال أخرى، فيزول ذلك الاستحقاق، كالفعل الذي من شأنه بالعادة أن يستحق إما المدح أو الذم، والذي قد يكون فاعله ملجأً لفعله، فيخرجه ذلك عن ذلك الاستحقاق بالذم إن كان يُعتَبر قبيحاً بالأصل، أو بالمدح إن كان يعتبر حسناً بالأصل. وفي المحصلة فإن المنظومة الاخلاقية التي يعرضها عبد الجبار تعتمد الاحتسابات الدنيوية لمنافع وأضرار البشر، في معاملاتهم مع بعضهم البعض، تلك الاحتسابات التي تُقاس بالعقل، والتي، جنباً الى جنب مع مقدرة الانسان على اختيار أفعاله منها، تضع الانسان موضع صاحب الشأن الأول في بيئته، الأمر الذي يُعتبر أصلاً في أية منظومة تطرح نفسها كمنظومة ديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه اليوم في الغرب.

وفي الختام، فإن ما أود قوله ليس هو أننا نجد جذور الأصول الفكرية الإسلامية في فكر الحضارة الغربية، ولا العكس، بل نجد في هذه الأصول وتلك، وفي أصول الفكر الإنساني عموماً، بذور نظرية إنسانية قد تطفو هنا وهناك وقد تغيب وهي جديرة بالعناية والرعاية، تعتمد احترام الانسان الفرد، وبالتالي موقعه من اتخاذ القرار، إن كان كسيد لنفسه أو كشريك بالتساوي مع غيره، وتعتمد العقل، وبالتالي دوره في صياغة وتحديد ماهية القرار الذي يتخذه الانسان، وليست هذه النظرية أو تلك المبادىء محصورة على هذه الحضارة أو تلك، بل هي مطلقة بإطلاق ماهية الانسان مهما كانت حضارته. ولئن أردنا تطبيق هذه النظرية على ما نحن فيه في عالمنا العربي، فلسوف نضطر إلى إعادة صياغة وتركيب الكثير منه، منها عبادات الأفراد والشعارات، ومنها المصادر الزائفة لشرعية الحاكميات المختلفة، دينية كانت هذه الادعاءات أو علمانية.

سري نسيبه

أستاذ الفلسفة

جامعة القدس

* تم تحضير هذه المداخلة لمؤتمر التراث الإسلامي والأخلاق .شباط 2008