أهمية الحوار في تنمية الوعي

  صحيفة الفجر

2\1992

 من أصعب ما يمكن للإنسان أن يقوم بعمله، وهو يبدو سهلاً وتلقائياً للوهلة الأولى، التمكن من عملية التفكير. والقدرة على التفكير أمر منوط بالمجتمع. وللتربية في هذا السياق دورها، ثم يتوالى الموضوع حتى يصل بآداب الحوار الناضج.

ويبدأ الأمر بالصغر، فمن أضخم وأسمى المسؤوليات التي تقع على كاهل المعلم، حث الطالب على تشغيل الآلة (الكنز) التي وهبها الله للإنسان وهي عقله. وتشغيل هذه الآلة أو تنميتها إنما يتم حين يقوم المعلم بتشجيع الطالب على القيام على صعيد العقل بما يشابه ما يفعله والد الطفل حين يبدأ هذا الأخير بالوقوف على قدميه باتخاذ خطواته الذاتية الأولى. فكأن المعلم يكون حينئذ يستدرج الوعي الراكد من حالة السكون إلى حالة الحركة، ومن ظلمة القوقعة التي ولد بداخلها إلى ضياء الرحبة والانفتاح والإبداع.

وحسن يفعل المعلم أن قام بدور القابلة التي تمكن الطالب نفسه من أن ينمو عقليا من خلال هذه العملية التربوية، أو إن سعى بغاية الحكمة والرفق إلى مساعدة الذات للإرتقاء بالوعي من منخفضات البدء والأمكان إلى قمم النضج والفعل، والوعي في نهاية المطاف هو قدرة ونهج وقابلية أكثر منه معلومة أو معادلة أو رقم. فهذا الفرع المتغير وذلك الأصل الثابت.

ومن الأدوات التي لا مناص من استعمالها للقيام بهذا الدور القدرة على الاستماع والإصغاء، بل قد يكون الإصغاء من أثمن وأهم أدوات العقل، إذ بها يحاول أن يتعرف المعلم على ما يدور في خلد الطالب، وهذا الذي يتحرك في الذهن كالجنين متلمساً الضوء إنما هو في الأغلب تفكر وليس فكراً، أي أنه محاولة لتكوين فكرة، وطبيعي أن يكون الطالب في هذه المرحلة متردداً ومتعثراً، وهنا يأتي دور المعلم الأساسي لتشجيعه على تفعيل عقله وتكميل وإنضاج فكرته، فيساعده كلما تردد أو تلعثم أو تعثر، ليس بأن يقوم بحمله أو رفعه إلى الموضع الذي يبغي، بل بأن يرده واقفاً ليتابع مسيرته ذاتياً. وتتجلى ضرورة الإصغاء هنا في أن يرى المعلم أو أن يتحرى بأن يرى مسار الطالب في محاولته الاستكشافية، أو حركته الذهنية، ومن باب الحرص على أن يكمل الطالب هذه العملية الذهنية، يقوم المعلم بالاستفسار تارة، والتلميح تارة والتصويب تارة بل وحتى الاستفزاز الذهني الهادف تارة، وهكذا إلى أن يطور الطالب فكرته ويتم استخراجها فتصبح واضحة المعالم لديه ولغيره، فيتم تقييمها من هذا الجانب أو ذاك، وتشكل حينئذ هي وتقييمهاتها المختلفة مَعلماً آخر من معالم درجات الارتقاء في الوعي، ويدرج هذا التفاعل التربوي بين المعلم وطالبه في قائمة الرصيد الفكري للمجتمع.

وحيث يتم هذا التفاعل في وسط من الطلبة الآخرين فانه يزداد إثراءاً كلما انتهج الطلبة الآخرون نهج المعلم، ومارسوا فن الإصغاء والاستخراج، واعتبروا أن عقل زميلهم ثروة لهم ولمجتمعهم، يعود استخراج الكنز منه بالفائدة عليهم، بل قد يمكن للطلبة الآخرين أن يعتبروا ممارسة فن الإصغاء لزميلهم وتشجيعه على صياغة فكرته بمثابة هدية ثمينة يقدمها كل منهم للآخر، وهو يقدمها له واثقاً بأنها سوف ترد إليه، بل أنها سوف تعود عليه بالفائدة، وهكذا وبالتدرج وباتباع آداب الحوار وفنه يتم استثمار ثروة الإنسان الطبيعية العظمى وهي عقله. وهكذا أيضا وبالتدرج عبر المستويات الذهنية المتفاوتة نتمكن من الاستفادة من تبادل الآراء ومناقشتها بين الكبار، فيصبح هذا التبادل ذخراً لوعي المجتمع بأكمله.

وفن التنصت والإصغاء، ثم الاستفسار والاستدراج والاستخراج، وثم التدقيق والتمحيص والتصويب، أي الحوار بمعناه العام، إنما مرجعه وقاعدته احترام الإنسان لأخيه الإنسان، بل احترام الإنسان للعقل، أو احترام الإنسان لنفسه، فحيثما وجد هذا الحوار المقصود، علمنا أيضا بوجود مجتمع يحترم فيه الإنسان نفسه، وهو مجتمع تتوفر فيه شروط التقدم والرقي، وحيثما وجدنا الضجيج والعجيج يكتنف الفكر الجديد بظله الخانق، أو وجدنا مظاهر الاستنكار والسخط والاستهزاء، علمنا بأن هذا المجتمع لا زال يقبع في ظلمات التقوقع والانغلاق والتخلف، وبأن المربين قد اتفقوا/ اخفقوا في تأدية رسالتهم السامية لإيصال الوعي إلى مرحلة النضج.

 ومن سمات مجتمع يقبع فيه الوعي مقيداً في ظلمات التقوقع والانغلاق أن يغص هذا المجتمع بالمصطلحات والشعارات والتصريحات الجوفاء أو المعتقدات التي تكاد أن تشبه الأصنام غير الناطقة، وهي كذلك بمعنى أن مطلقيها أو حامليها لا يرون إلا قشورها أو أشكالها الخارجية، وهم يجهلون دخائلها وخصائصها، بل يجهلون معانيها وسبب حملهم إياها. وفي مجتمع كذلك حيث يعجز العقل عن مواجهة التحديات التي يواجهها الإنسان تجد العقول والأذهان تقتات وتعتاش أساساً من المصطلحات والشعارات دون الأفكار والمعاني، وهذا هو مجتمع الببغاوات والرويضيات حيث لم ينجح المربون والمعلمون في المدارس سوى بتعليم النطق دون المنطق، واللغة دون الفكر، والتلسن دون التعقل، وإذا كانت الوجبات الذهنية الأساسية في هذا المجتمع هي المصطلحات والشعارات والأشكال الخارجية، فليس غريباً والحالة تلك أن نجد أن علو الصوت وفخامة الإلقاء أكثر وقعاً من مضمون الكلام أو أن الألسن أكثر براعة واستعمالاً من الأذان في حين أن حكمة البارئ الذي أوجد أذنين اثنتين لكل منا ولسانا ًواحداً فقط هي آية للمستبصرين، كجعل رسنها جميعها ومرجعها العقل.

وفي مجتمع المصطلحات والأصنام فأن أول صدمة يعاني منها الناس حين يقدم أحدهم على استعمال عقله وطرح رأيه هي الصدمة الناتجة عن استبصار المعاني والأفكار التي ترمز إليها أو تلزمها تلك المصطلحات فتنكشف فجأة تلك التفاصيل والمتعرجات والتضاريس التي كانت مخفية فيها قبل، فأما البعض فنراه يسارع إلى المطالبة بتخفية هذه " العورة " بحجة ما أو أخرى، كالقول بعدم ملاءمة الظرف أو الوقت أو الشخص مع العلم أيضا أن لكل مقال مقام، وأما البعض الآخر فينتهز الفرصة لممارسة هواية الرويضيات المفضلة، وهي قعقعة المصطلحات وقصفها كالصواعق أو القذائف على الفكرة أو المفكر، وبين هذا وذاك ما يلبث المجتهد أن يشعر بالرهبة أو الذنب، ينتشر هذا الشعور ليصل آخرين ربما كانوا سوف يقدمون شيئاً ما لمجتمعهم، فينطوون جميعاً على أنفسهم، ويضطرون إلى الرجوع للتعامل بعملة التصريحات والمصطلحات الجوفاء، وذلك حال اكتشافهم بأن هذه هي العملة القابلة للصرف في مجتمعهم والتي بها يمكنهم التقدم والربح.

إنما أقول كل هذا وأسترسل به كإطار عام وموضوعي تحديداً هو بعض ردود الفعل على ما يصدر عن هذا الكاتب أو ذاك، من الأخوة والزملاء من اجتهادات فكرية أو سياسية، فبئس ذلك المجتمع الذي ينبري فيه المربون والكاتبون لتحريم المفكر من طرح رأيه للنقاش، أو لتحريم الجمهور من الإطلاع على تلك الأفكار وتبادل الآراء حولها، فهو مجتمع من أخفق مربوه في تأدية رسالتهم وهو بالتالي سوف يستمر في التخبط في جهله، وتخلفه بل هو مجتمع لا تزن مجموعة معتقداته وزن الريشة في مهب الريح، ولا تتجاوز أفعاله سقف البلاغة والخطابة والشعر ولن يصلح هذا المجتمع إلا إذا اجتهد أفراده والمسؤولون والمربون فيه في تنمية واحترام العقل لدى الجمهور، ولا يتم ذلك إلا إذا احترمنا الجمهور وصارحناه، فسمينا المسميات بأسمائها، وصارحنا بعضنا بما يدور حولنا، وتجرأنا على التفكير والحوار، فلا تدع باباً في العقل إلا طرقناه، ولا نحمل فكراً إلا ومحصناه.

وما أحوجنا اليوم لهذه المصارحة وهذا الحوار ونحن نقف إزاء مشاهد وأحداث مقلقة أكانت تتعلق بالانتفاضة، مسلكيتها ومسارها، أو بمجريات السياسة العامة، واقعها والمتوقع لها.

وأخيراً أقول أن ما يميز المجتمع هو الفكر الذي يدور به. وما يتميز به الفرد في المجتمع هو قدرته على الإبداع في هذا المجال، وما يمكنه من استثمار هذه القدرة وترجمتها إلى الفعل هو توفر المناخ الملائم لحرية الرأي وتبادله، وهذا المناخ لا ينضج إلا إذا نجح المربون في توعية المجتمع لفن الحوار أصوله وقواعده وآدابه.

ومن هذه القواعد، كما سبق وقلت فن الإصغاء ولكن دعني أشير أيضا إلى أصل آخر يبدو غائباً عن الوعي، التواضع، وهو تواضع دعا الله تعالى إليه، والتواضع في هذا المجال يعني أن لا يصغر أحد خده لآراء الآخرين، وأن لا يكون مختالاً فخوراً برأيه الخاص، بل يجاهد للتمرد من التزمت أو العجرفة في الرأي، قائلاً لنفسه ما معناه: نعم أنني قد أميل بطبعي إلى الإعجاب برأيي أكثر من ميلي للإعجاب برأي الآخرين، لكن عسى إعجابي هذا بنفسي أن يغشي بصيرتي، وأن يكون رأي الآخرين هو الأقرب للصواب. ولذلك فلا هدي من صوتي، واستنصت للناس، مسترشداً في ذلك بحديث الرسول الكريم.