الكنفدرالية: التبصّر والهلع
20/12/2011 صحيفة القدس

أنواع الكنفدرالية متعددة، ولكنها مهما تعددت فالأساس فيها هو علاقة تربط ما بين كيانين سياسيين، ينفرد كل منهما عن الآخر بخصوصيات، وتربطه بها خصوصيات، يتفقان عليها والأمثلة في العالم متعددة، وأما بالنسبة للوضع الإسرائيلي/الفلسطيني تحديداً، ما يعنيه هذا، فيما لو تم، هو أن تستبدل حالة الاحتلال بما تشمله من سيطرة عسكرية وسلب للحريات ومصادرة للأرض وهدم للبيوت إلخ، بحالة سياسية أخرى مختلفة تماماً، كما هو الأمر أيضاً فيما إذا أقيمت كنفدرالية بين الأردن والدولة الفلسطينية، بل وفيما إذا توسع الأمر ليربط بين ثلاث دول أو أكثر. وفي جميع الحالات يكون الحديث أساساً عن دولة يقرر شعبها مصيرها بحرية تامة، بعيداً عن الهيمنة أو احتلال دولة لأخرى وشعب لآخر.

أسوق هذه المقدمة وأنا واثق بأنها مجرد بدهيات سياسية يعيها كل من أشغل نفسه بقراءة سريعة لأنواع الحكم السياسي، لكنني أذكرها كي يكون واضحاً أنه مهما كان الموقف السياسي منها، فلا يمكن إنكار أنها أي الكنفدرالية، ليست نظاماً احتلالياً، بل إنها على العكس من ذلك تماماً نقيض للاحتلال وترتكز، فيما لو قامت، على إنهائه كلياً.

فإذا ما كان الأمر كذلك، فمن البديهي الاستنتاج أن أي نشاط أو محاولة للتوصل إلى اقامة كنفدرالية مع إسرائيل أو غيرها لا يمكن اعتباره تطبيعياً، إذ أن التطبيع في هذا السياق وكما نعهد استعمال المصطلح في استعمالاته السلبية، يعني تطبيع الاحتلال وليس استبداله، في حين أن الكنفدرالية تعني استبدال الاحتلال وليس ادامته، كما هو بيّن.

وحين جرى الحديث داخل أروقة القيادة الفلسطينية تاريخياً عن كنفدرالية محتملة بين الأردن وفلسطين، وكما أقرتها منظمة التحرير الفلسطينية في الدورة السادسة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني، كان ذلك على أرضية إقامة دولة فلسطينية مستقلة أساساً. فجاء القرار بنص يوضّح بأن العلاقات المستقبلية بين الدولتين تكون علاقات الكنفدرالية، إيماءاً لإمكانية اقامة الكنفدرالية فور إعلان الاستقلال، أو بعد ذلك بقليل، وكتعبير عنه، أو قل، كتعبير قيام الشعب باتخاذ قرار يحدد فيه مصيره السياسي.

إذن، فمن المتفق عليه أن الكنفدرالية هي نظام سياسي قائم على حرية الشعب أصلاً، أي على قدرته لاتخاذ القرار المصيري الذي يرتأتيه من مصلحته، فيقوم باتخاذ هذا القرار إن أراد، ويحدد الطرف أو الأطراف المنوي اقامة العلاقات تلك معها، ويجري كل ذلك بشكل ديمقراطي، وكما أشرنا، فلقد كان الشعب الفلسطيني قد اتخذ قراراً عبّر فيه عن نيته لاقامة هذه الكنفدرالية مع الأردن، ولكن ليس سرّاً أيضاً أن القائد التاريخي لهذا الشعب، الشهيد أبو عمار، كان قد فتح الباب أيضاً لدراسة إمكانية اقامة كنفدرالية مع إسرائيل، لا تستثني الكنفدرالية المحتملة مع الأردن، ولكن قد تشكل طريقاً إضافيّاّ لانهاء الاحتلال، مع الابقاء على بعض الميّزات التي تتوفر في حالة الابقاء على فضاء اقتصادي مفتوح في الجغرافيا الإسرائيلية/الفلسطينية، والتي يمكن للدولة الفلسطينية الاستفادة منها في وضعية سياسة جديدة، كالقدرة على استعمال الموانئ، أو كتعميق الاستفادة من المجالات التطويرية التي قد تعود بالنفع على الطرفين في حالة الشراكة فيها، كالسياحة والمصادر الطبييعية وغيرها. ولا يجب أن يغيب عن بالنا في هذا المجال ونحن ننظر إلى المستقبل، الاكتشافات التي يجري الحديث الآن عنها للغاز الطبيعي في المياه الاقليمية الممتدة بين الساحل اللبناني/الإسرائيلي/الفلسطيني وجزيرة قبرص، كما لا يجب أن يغيب عن بالنا المشاريع التطويرية الضخمة كقناة البحرين، وتوليد الطاقة، وتطوير المناطق السياحية والزراعية في غور الأردن، وجميع ذلك كما أقول في ظل فضاء جيوسياسي واقتصادي مفتوح.

أما الآن وبعد هذه المقدمة الموجزة لمفهوم الكنفدالية، فأود الانتقال للحديث عن ملابسات مؤتمر الكنفدرالية بشكل عام، الذي كان من المقرر عقده في فندق الامبسادور في القدس قبل يومين ومن ثم في بيت جالا وأخيراً في حيفا. والذي قام البعض باقتحام الامبسادور لإفشاله وأود أن أذكر هذه الملابسات، ليس لأن لها علاقة بالكنفدرالية تحديداً، ولكن لأنها تشير إلى وجود نوع من أنواع الآفات السياسية في مجتمعنا التي يجب علينا التحوط منها والقضاء عليها تجنباً للأضرار السياسية التي تعرضنا هذه الآفات لها، خاصة وأننا واقعون تحت الاحتلال من جهة، ولا نعيش في معزل عن العالم الأوسع من جهة ثانية.

ومن هذه الملابسات:

  • خلق الاشاعة ثم تصديقها كمعلومة: وهاك أمثلة، كأن يتم تحديد موقف سياسي من المؤتمر على أرضية أن ما يهدف إليه هو التطبيع، بينما كان هدفه العكس وهو إزالة الاحتلال ووضع آلية لترسيم مستقبل أفضل للطرفين. والقارئ لأدبيات القائم عليه، المحامي الإسرائيلي العراقي الأصل، جوزيف أفيسار، يجد أنه يدعو لإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، تكون بعلاقة الكنفدرالية مع اسرائيل، ولكن ليس على أنها تابعة لها، أو واقعة تحت احتلالها، بل كأنها دولة متكافئة. لكن المحتجين على المؤتمر اعتبروه تطبيعياً وأنه يهدف إلى تجاهل الهدم والاستيطان وكافة أشكال الاحتلال الأخرى. ومثال ساطع آخر في هذا السياق هو ترويج الاشاعة ثم التصديق بأنني شخصياً، ولأنني كنت مدعواً لإلقاء كلمة في المؤتمر، بأنني أنا القائم عليه، بل بأنني أنا عرّابه، وعرّاب الفكرة. بينما أن المعلومة البسيطة هنا هي أنني كنت مدعواً لإلقاء كلمة فيه ليس أكثر وأنني لم أكن قد تعرفت بعد (ولم تسنح لي الفرصة حتى اليوم) للقاء القائمين عليه.

دجاجة حفرت على راسها عفرت: وهاك مثال، كأن ينبري بعض فرسان الإعلام للتصريح بأن القيادة الفلسطينية أمرت وتأمر بالتشطيب على هكذا لقاءات بين "مثقفين" فلسطينيين وإسرائيليين، إذ أن الهدف منها (أي هذه اللقاءات) هو تسويق الرأي أمام الغرب بأن موقف القيادة الفلسطينية هو موقف معاد للسلام ولثقافته ولإظهار وجود بديل مسالم لها. ولو صح ما ادعاه هذا الفارس فتكمن "المصيبة" هنا في النتيجة العكسية لمراده ، إذ أن تصريح هذا الفارس وعلى خلفية المظهر العنفي لمنع المؤتمر من الانعقاد تم نقله إلى الصحف الغربية لإثبات مقولة بأن القيادة فعلاً غير معنية بالسلام، تماماً كما يدعي ذلك القادة الإسرائيليون. وباعتقادي فإن هذا النوع من الآفات التي تلحق الضرر بوضعنا السياسي العام يعرضنا لها من يدعي الفهم وهو جاهل. وفي هذا السياق فإن من الخطورة بمكان التعرض للمثقفين في هذا المجتمع وكأنهم ينتمون إلى شريحة مشكوك في أمرها بل الأصح هو أن نشك في كلام الجاهل وليس كلام المثقف والعالم.

التطبيع/المقاطعة/ إلخ: وهذا موضوع شائك جداً، ولقد تناولته في أكثر من موضع، ولكنني أريد في هذه العجاله أن أشير إلى أمرين أولهما هو أن الأحكام التي تنطبق على علاقات الدول ببعضها (إسرائيل مع الدول الأخرى) لا تنطبق بالضرورة على وضعية الشعب الفلسطيني إزاء إسرائيل (أكان هذا الشعب داخل إسرائيل، أو في المناطق المضمومة إليها، أو في مناطق السلطة)، وأما الأمر الثاني فهو أن التجارب التاريخية (مثلا: الهند، فيتنام، الجزائر، السود في أمريكا، جنوب أفريقيا، الانتفاضة الفلسطينية الأولى، الخ) في النضال لتحقيق الحرية للشعوب، لكل منها خصوصية تنفرد بها، ويجب ألاّ نعمّم الأحكام كتعميمنا للألفاظ والمصطلحات، فليس كل ما يلمع ذهباً، ويجب معاينة كل حالة بخصوصيتها. وفي حالتنا نحن، فباعتقادي أن المطلوب أولاً هو أن نحدد هدفاً سياسياً متفقاً عليه. ويجب أن يكون هذا الهدف قابلاً للتحقيق مهما طال الزمن الحقيقي، حتى لا يكون العمل عدمياً. والكلام في هذا الموضوع يطول، ولكن أقول أن أول أمر يجب علينا مقاطعته هو الجهل والمزايدة والهوجائية.

وبالخلاصة أقول: بأني كنت أتمنى على أنفسنا، ونحن نسعى للتخلص من الاحتلال ولتصميم مستقبل أفضل، أن نعير قدرتنا على التبصّر في أمورنا اهتماماً أكثر، وأن لا نسمح للهوجائية بين ظهرانينا من جهة ولا للأطراف ذوي المصالح الخاصة التي تستغل هذه الهوجائية من جهة ثانية، أن تتحكم في مصائرنا.