أيُّهما أفضل، الحكم الذاتي أم الانضمام للدولة الإسرائيلية؟

 

  جريدة الموقف

19/10/1985

كتتويج للحملة المحمومة التي شنت ضد منظمة التحرير مؤخراً والتي استهدفت وبشكل واضح انتزاع مصداقيتها على الساحة الدولية وإسقاط الشرعية الفلسطينية في معادلة التسوية المحتملة تتردد الأخبار عن" صفقة سلام" تريد الحكومة الإسرائيلية طرحها بديلا للتفاوض.

وتتضمن هذه الصفقة، كما يبدو حكما ذاتيا للمواطنين (العرب) في الضفة الغربية وغزة من ناحية، وسلاماً بين إسرائيل والضفة الشرقية من ناحية ثانية، مع "إقتسام" بين هذين الطرفين للسيادة على الأرض المحتلة منذ العام 67، حيث يتجزأ مفهوم السيادة (الأرض، الأمن، المصادر الطبيعية والمياه من جهة)، كما ويتجزأ الامتداد الجغرافي لهذه السيادة من جهة ثانية، تهيئة للإقتسام المذكور.

أما" المبررات الفلسطينية" التي قد تتضمنها هذه الصفقة، والتي سوف تحاول الحكومة الإسرائيلية "بيعها" للأطراف الدولية المعنية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فهي أن هذه الصفقة تعنى، أولاً، بذلك القطاع من الشعب الفلسطيني الذي يقال بأنه يجب أن يكون هو موضع الاعتبار، أي سكان الأرض المحتلة، وإنها تحاول أن توفر لهذا القطاع، ثانياً، قسطاً معقولاً من تلك الحقوق الإنسانية والسياسية، التي تطالب تلك الأطراف الدولية بتطبيقها، كحد أدنى من المستوى الحضاري/الحياتي الذي يجب توفره لدى شعوب العالم.

لكننا وان إفترضنا جدلاً قبول المنطق القائل بان سكان الأرض المحتلة منذ العام 67 هم المعنيون بالدرجة الأولى بأية تسوية محتملة، وإفترضنا أيضا قبول المنطق الذي يطالب بإعطائنا حقوقا كمجموعة بشرية لها كيانها المستقل عن بقية الفلسطينيين في الداخل أو المهجر، فانه يمكننا مع ذلك أن نفاضل بين احتمالين بارزين ضمن هذا المنطق، هما احتمال نيل الحكم الذاتي من جهة، أو الانضمام إلى الدولة الإسرائيلية من جهة أخرى. ويمكننا، جدلا أيضاً، أن نفترض وضعاً نستطيع به أن نزيل كل العقبات العملية لتحقيق هذين الاحتمالين، وبالتالي أن نقارن، نظرياً، بينهما، كاحتمالين قد تحققا بأكمل وجه، وبدون عوائق تحول دون الاستفادة كاملا من أي منهما، وبصيغة أخرى، فأننا أن إفترضنا جدلاً أننا قد حققنا حكما ذاتياً بمعنى الكلمة، أو أننا حققنا انضماماً للدولة الإسرائيلية بمعنى الكلمة، فانه يمكننا على هذا الأساس المفاضلة بين هذين الوضعين كالآتي:_

        الحكم الذاتي وبحسب تعريفه، لا يعطي حقوقاً سياسية كاملة، أي حقوقاً تتضمن القدرة السياسية على تقرير المصير، فردياً أم جماعيا. بل أنه يتحرى بأن يعطي حقوقاً إنسانية فردية (كحق التعبير، أو التنقل) كما ويسعى إلى إعطاء بعض الحقوق الإنسانية الجماعية (كحق تصريف الشؤون البلدياتية). لكنه لا يسمح للفرد أو الجماعة أن تمارس حقاً سيادياً في تصريف شؤونها وبصيغة أخرى فيمكن القول أن الحكم الذاتي هو القدرة على تصريف الشؤون الذاتية ضمن مظلة سيادية لا يمكن التصرف بها.

        أماالانضمام إلى دولة إسرائيل أو ضم إسرائيل للمناطق المحتلة، فانه يعطي الفرد والمجموعة القدرة لممارسة حق تقرير المصير سيادياً، إضافة إلى القدرة المتوفرة في إطار الحكم الذاتي، وبمعنى أخر، فان الفرد أو المجموعة ضمن هذا الإطار يمكنها أن تشارك في تصريف شؤونها السيادية من خلال الأجهزة التشريعية القائمة، وهي غير مضطرة للعمل فقط إنطلاقاً من تلك السيادة كأمر غير قابل للتصرف، أو كغطاء لا يمكن الخروج عنه أو التصرف به.

 

أن القدرة السياسية على تقرير المصير، والتي تتأتى عن طريق المشاركة الكاملة في ممارسة الحقوق السياسية التي يتمتع بها المواطن العادي في بلده بما في ذلك ممارسة حقه في انتخاب ممثليه في الجهاز التشريعي في الدولة وحقه بالتالي في انتخاب السلطة التنفيذية في هذه الدولة_ أن هذه القدرة بالنسبة لسكان الأرض المحتلة لا تتوفر في إطار الحكم الذاتي إنما تتوفر في إطار الانضمام كلياً إلى الدولة الإسرائيلية.

إذن، فأن المنطق الموضوعي يقول بأننا إن أردنا أن نجرّد سكان الأرض المحتلة عن بقية الشعب الفلسطيني، وأردنا أن نعزل قضيتهم عن القضية العويصة في النزاع العربي الإسرائيلي وهي القضية الفلسطينية، وأردنا مع ذلك أن نتعامل معهم على أساس إعطاء حقوق لهم، فإن الحقوق تتأتى ضمن هذا المنطق ليس عن طريق الحكم الذاتي، إنما عن طريق ضم الأراضي المحتلة لإسرائيل وإعطاء سكانها كافة حقوقهم السياسية.

من هنا فإن على كافة الأطراف الأخذ بعين الاعتبار، بأننا أن لم نحقق أمنيتنا كشعب له كيانه المستقل لإقامة دولته بقيادة ممثله الشرعي والوحيد، فليس البديل هو بالضرورة اللجوء إلى الحكم الذاتي كوضع ننال فيه حقوقنا كأفراد ومجموعات هي ليست جزءاً من شعب له هويته المستقلة، بل قد يكون البديل اللجوء إلى الانضمام إلى الدولة الإسرائيلية.

أما بالنسبة لنا نحن أهل الأرض المحتلة، فيجب علينا أن نفكر ملياً بهذه الاحتمالات، إذ قد يكون من الأفضل لنا في مرحلة ما أن نرفع شعار "الانضمام" و" نيل الحقوق المتساوية"، وأن نناضل من أجل تحقيق هذا الهدف، إن وجدنا أن شعار المرحلة الراهنة، وهو شعار الاستقلال بدولتنا كشعب له هويته، غير قابل للتطبيق، ويوجد توجه لاستبداله بالحكم الذاتي، تحت غطاء" تبريري" مفاده أن النية هي إعطاء سكان الأرض المحتلة حقوقهم الإنسانية.