من أجل تجديد المسيرة

الفجر- 15/1/1985

بالرغم من تزايد اتساع الهوة بين منظمة التحرير من جهة أخرى، فإنني لا أعتقد بأن الخلافات بين معظم فصائل الثورة الرئيسية، بما فيها تلك الفصائل المتمسكة تكتيكياً بتحالفها مع النظام السوري، هي خلافات إستراتيجية أي تتعلق من الناحية العملية بالتصور لماهية التسوية المقبولة فلسطينياً في الظروف الاقليمية والدولية القائمة، بل هي بالأغلب خلافات تكتيكية ومرحلية، تتعلق بكيفية التعامل مع المعطيات والمستجدات في ظل الأزمة التي تعيشها المنظمة خاصة، والتي تعيشها الأمة العربية بشكل أعم، كما وقد تتعلق هذه الخلافات أيضاً بتقييم المعادلة الاستراتيجية والتحالفات القائمة والامكانيات المتاحة في ظل هذه المعادلة. وبمعنى آخر، فإن أغلب فصائل الثورة الرئيسية متمسكة، حتى من زاوية البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير، ومن زاوية قرارات المجلس الوطني ال 16، وبغض النظر عن موقف الأنظمة العربية بما فيها النظام السوري من هذا الموضوع، بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بقيادة م. ت. ف، بجانب إسرائيل، حسبما تقتضي ذلك مبادرة بريجنيف. لكن الخلافات قد تنشأ حول الدور الذي يجب أن تلعبه المنظمة في ظرف يخيم عليه شبح الحلول الاستسلامية، فمن قائل بضرورة فرض الرقم الفلسطيني على الساحة السياسية، واستغلال كافة الامكانيات والاستفادة من كافة التحالفات بقصد منع تطبيق الحلول الاستسلامية في أسوأ الظروف، أو تجييرها لصالح الرؤية والأهداف الفلسطينية في أحسنها، ومن قائل بعدم إمكانية التعامل مع الظرف الراهن إلا من خلال ترسيخ وتغذية التناقض الأيديولوجي في الساحتين الفلسطينية والعربية، استناداً إلى المقولة الخاطئة بأن قيادة البرجوازية الوطنية الفلسطينية قد فقدت قدرتها على متابعة المسيرة الثورية، إلى قائل بموقف ما أو بآخر ما بين هذين الموقفين.

وإذ الخلاف بالأغلب ليس إستراتيجياً، وإذ أن الصمود الفلسطيني مهما كانت قاعدته الأيديولوجية ومهما كانت منطلقاته يهدف في واقع الأمر إلى تحقيق الهدف الفلسطيني في الحيلولة دون فرض تسوية غير عادلة على شعبنا، وإذ أن وحدة المحنة سوف تستوجب عاجلاً أم آجلاً توحيد الصف، فإن حتمية وحدوية مستقبلنا تفرض علينا في حاضرنا ومن منطلق موضوعي أن لا نبالغ في خلافاتنا. وأن نضبط كافة تلك النزعات الحماسية التي من شأنها زج الوقود في نار مصيرها الخمود. وفي هذا السياق، فإن كافة الدعوات من أجل متابعة الحوار الوطني هي دعوات مباركة، بما فيها دعوات الناطقين الرسميين باسم الجبهة الديمقراطية، وكذلك الأمر بالنسبة لكافة المحاولات على الصعيد العملي من أجل ترسيخ الوحدة الوطنية على أسس ديمقراطية شرعية، بما فيها التحالف المقدام بين كتلتي الشبيبة والوحدة الطلابية في انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت، والأصل في كافة هذه المحاولات هو الارتكاز إلى قاعدة المجلس الوطني المتتابعة، بما فيها قراراته في ثورته ال17، وإلى قرارات عدن – الجزائر، تنظيمياً وسياسياً، آملاً بعقد دورة جديدة واستثنائية للمجلس الوطني، تتجسد فيه وحدة الفصائل الثورية المستقلة، وتنبذ منه كافة الشخصيات والفئات المرتزقة.

لكن أزمة الثورة الفلسطينية لن تتلاشى بمجرد ترسيخ الوحدة أو في عقد دورة وحدوية جديدة للمجلس الوطني، بل إن أزمة الثورة هي أزمة مسافتها من الواقع الفلسطيني، وهي أزمة مصداقيتها وفعاليتها، ولا يمكن تخطي الازمة الجذرية الا من خلال التعامل الثوري – العلمي من الواقع الاليم على كافة المستويات، ومنها:

•  سياسيا: من الطبيعي ان نرفض كشعب فلسطيني قرار مجلس الامن 242 أو مشروع ريفان او كامب دافيد، لكن من الضروري ايضا ان نطرح تصورنا للتسوية السلمية المقبولة بشكل واضح لا زيف فيه ولا نفاق، كما وان نطرح تصورنا لالية تحقيق هذا الهدف، وذلك بمقتضى تجدد المراحل التي تمر بها ثورتنا.

ومن هذا المنطلق، فان الرفض الفلسطيني لـ 242 واعتباره منقوصا لا يجب ان يعني عدم النظر في امكانية استغلاله، لربما في معالدلة متزامنة ثنائية الشكل ملتازمة الطرفين، تشكل احداهما في تسوية اقليمية سورية – اسرائيلية واردنية – اسرائيلية ترتكز الى 242، بينما تتشكل الاخرى من تسوية سياسية فلسطينية – اردنية ترتكز الى قرار قمة فأس بشأن اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بل قد يكون مثل هذا الامر وان استهدف منه من الناحية النظرية تجاوز عقدة الاعتراف بمنظمة التحرير من قبل اسرائيل او الولايات المتحدة، فهو يحمل في طياته بعض الجوانب الايجابية بالمقابل، كتجاوز عقدة الاعتراف باسرائيل من قبل الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير.

وبينما لا يوجد أدنى تفريط بالقضية الفلسطينية ان نحن درسنا امكانية العمل على هذه الجبهه المزدوجة، فانه يوجد كل التفريط بقضيتنا ان نحن اهملنا النظر في كافة الامكانات المتاحة لاستعادة حقوق شعبنا، بما فيها العمل المشترك الاردني – الفلسطيني، علما بأن الموازنة الاستراتيجية لا ترجح اصلا امكانية انسحاب اسرائيلي/ وان احد لا يمكنه التكلم بالنيابة عن الشعب الفلسطيني غير ممثله الشرعي والوحيد

م . ت . ف.

•  عسكريا: ان من السذاجة بمكان ان نطالب بالتخلي كشعب وثوره عن بندقيتنا. با فانه لا يوجد هنالك خيار سياسي لوحده، كما ولا يوجد خيار عسكري لوحده، بل الخيار الوحيد في عالم الواقع هو خيار سياسي – عسكري. ومن هنا تأتي ضرورة بلورة كفاءة وفعالية مقدرتنا العسكرية بحيث تتناسب مع اهدافنا السياسية، فلا تزيد عنها او تنقص. كما وان اصرارنا على منهجية العمل العسكري يجب ان يتبلور عنه موقف شجاع يشجب استعمال الارهاب والاغتيال وكافة الوسائل الخسيسة التي لا تليق بثورة تقدمية او بشعب يستمد ديمومته من اخلاقه، وان لنا ان نحتذي بنموذج في هذا المضمار فلدينا نموذج قائدنا ابو عمار، الذي وقف في قاعة الامم المتحده مرتديا مسدسه ودويا بصراخه "لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي".

•  اداريا: وفي هذا المجال فانه من الضروري تعميم الفكر والعمل الثوري على مؤسساتنا الادارية كافة وذلك من اجل بلورة وتطبيق سياسة كفؤة في الصمود، اكان ذلك في مجال الصحه او التربية او الاسكان او غيرها، عملا بالقاعدة القائلة ان الارتقاء من واقعنا الاليلم الى الحدود الدنيا التي نستطيع من خلالها الحفاظ على ديمومة شعبنا يتطلب عملا علميا وثوريا معا، فلا المنهج الاداري الغربي بوحده كافيا، ولا المنهجية الثورية بحد ذاتها كافية، بل امتزاجهما معا هو الكفيل بانتزاع شعبنا من تخلفه ومن ظرفه المهين. وفي جميع الاحوال فاننا نطالب ببدء المسيرة مجددا على انقاض المنتفعين ماليا، وبعد تنقية البؤر الاستيطانية والمستنقعات ارتكازا الى نداء الاخ أبو اياد بتطبيق فلسفة ( من أين لك هذا؟ ),

أما أخيرا وبالداخل فانني اقر بضرورة خلق جبهه وطنية عريضة تتصدى للاحتلال من خلال التحرر اولا من قيد القوى الغيبية والمتغيبة التي تتحكم بين الفينة والاخرى في مصير شعبنا. اننا لا نريد قيادات سريه تصدر البيانات الجماهيرية في الخفاء وتتستر وراء الاطفال والنساء، بل نريد مائة الف منفي كأبي علي شاهين، ومائة الف مقعد مناضل كبسام الشكعه، ومائة الف شهيد كشرف الطيبي. نريد قيادات تقف شامخة الرؤوس في الصفوف الامامية، حتى تشاركها جماهيرنا في اتخاذ القرار وفي تحمل مسؤوليتة. ومرة اخرى فان لنا مثالا نحتذي به بأبي عمار، الذي يقف تاره في تل الزعتر مجازفا بحياته وتاره في القاهرة مجازفا بشهرته وبإسمه، وكل ذلك من أجل شعبه.