الشرعية الفلسطينية

جريدة الفجر- 28/6/1983

ليست صحة أو شرعية المطالب والإصلاحات التي ينادي بها أعضاء حركة المعارضة في "فتح" هي جوهر الخلاف، إنما جوهر المسألة على ساحة الصراعات والتطورات الفلسطينية هي الشرعية الفلسطينية نفسها تلك الشرعية التي أبرزتها وكرستها الحركة الوطنية الفلسطينية عبر نضال مرير في وجه حملة شرسة استهدفت وتستهدف تحطيم الهوية الفلسطينية المستقلة والقرار الفلسطيني المستقل والحل الفلسطيني العادل.

ولا يغيب عن أذهاننا أن الشرعية الفلسطينية هذه تأتي متوجة لعملية تفاعل دياليكتيكي بين الإرادة الفلسطينية الثورية من جهة والتي هي إرادة الجماهير الفلسطينية، وبين أداة النضال الثوري لهذه الجماهير من جهة أخرى، والتي هي منظمة التحرير الفلسطينية.

إن من الواضح أن طبيعة هذه العلاقة الدياليكتيكية بين إرادة الشعب وأداة نضاله لا تسمح بأن يتم القضاء على الشرعية الفلسطينية من خلال القضاء فقط على إحدى أطراف العلاقة أو المعادلة. فإن المحاولة من جهة لتحطيم الإرادة الفلسطينية الجماهيرية سوف تمنى بالفشل طالما بقيت أداة النضال مشتعلة تنير إشعاع الأمل للجماهير وتغذي إرادتهم والمحاولة من جهة أخرى للقضاء على أداة النضال سوف تمنى هي الأخرى بالفشل طالما بقيت الإرادة شامخة صلبة تغذي شرايين الثورة وتمدها بالوقود الفكري والبشري المعطاء والمستمر.

وعليه فإن القضاء على الشرعية الفلسطينية يتطلب عمليتين تستكمل إحداهما الأخرى، وهما القضاء على الإرادة الجماهيرية وعلى أداة النضال معاً، وما يعنيه هذا هو القضاء على وحدانية التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني التي تحظى به المنظمة عند الجماهير الفلسطينية من جهة، وعلى فعاليتها العسكرية من جهة أخرى.

إن من ينظر للأمر بهذا المنظار وبغض النظر عن تعاطفه مع هذا الجانب أو ذلك يرى فوراً أن ما يحدث اليوم في البقاع، بل حتى ما يحدث في مؤسساتنا في الأرض المحتلة من انشقاقات على أصعدة مختلفة، ليس هو إلاّ استكمالاً ولو على الصعيد الموضوعي فقط للضربة العسكرية التي وجهت أداة نضال الشعب الفلسطيني في لبنان قبل عام، بحيث يتم الآن استكمال عملية القضاء على الشرعية الفلسطينية عن طريق تمزيق وحدانية الإرادة الفلسطينية هذه الواحدانية التي تبقى واحدة ومتميزة فقط في ظل الغطاء المتماسك وغير المتجزئ لمنظمة التحرير، بينما تصبح هذه الإرادة متفرقة ومتبعثرة في حالة تمزق الغطاء السياسي الوقائي الذي يمنحه لها جهاز منظمة التحرير.

إن من الخطأ الفادح أن تسمح عناصر الثورة لأي كان أن يتمادى في تكريس التفرقة والخلاف والمطلوب من هذه العناصر الشريفة وخاصة بعد القرار السوري بإبعاد ممثل الشعب الفلسطيني الأرض عن السورية أن تعيد حساباتها لكي لا تسمح بتعميق الهوة وبتكاثر أجهزة التمثيل والثورة الفلسطينية، إذ أن مثل هذا التكاثر ما هو إلاّ المرحلة التي تسبق مرحلة تجاوز الشرعية الفلسطينية. هذا الهدف الذي تسعى لتحقيقه القوى المعادية للثورة الفلسطينية بما فيها القوى التي تمهد وتخطط لتكريس الاحتلال وتثبيت السيادة الإسرائيلية على المناطق المحتلة وفق التصورات ال.... في كامب ديفيد.

إذن فإن المطلوب من العناصر الفلسطينية الشريفة أياً كان انتماؤها هو تثبيت وتقوية الوحدة داخل صفوف الثورة وأن تكون متيقظة – للألغام الموقوتة – داخل هذه الصفوف، وقد تكشف لنا الأيام القليلة القادمة عن مدى عمق الهاوية التي نجد أنفسنا الآن في انحراف لحافتها. وعلينا نحن أبناء الأرض المحتلة ليس فقط أن نطالب إخوتنا بالخارج بالحفاظ على المسلك الديمقراطي الذي يسمح للنقد البناء ضمن إطارهم التنظيمي بل أن نحاول نحن كذلك أن نوحّد صفوفنا وأن نتجاوز خلافاتنا استعداداً منا لمواجهة المنعطف المصيري في مسيرة نضال شعبنا لتحقيق أهدافه المشروعة في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.