رسالة الى .... رابين

1993/6/17 - جريدة القدس

اخيرا وبعد سنوات من الجهد والمحاولات الحثيثه التأم مؤتمر مدريد، وحضرت الاطراف المتنازعة اليه. ومع ان صيغة الحضور واسس الالتآم لم تكن المثلى لتحقيق التقدم الا ان نافذة فريدة افتتحت تطل على مستقبل يختلف نوعيا عن الماضي، تستطيع شعوب المنطقة فيه دون تمييز او اجحاف ان تكرس جهودها وامكاناته لتقديم الحضارة والازدهار. قتطوي الام ومعانيان الماضب تحت صفحة ملؤها الامل لجيل المستقبل. ومد الشعب الفلسطيني يده بكل اخلاص ونيه صادقه لمصافحة عدوه التاريخي. وهو يعلم تمام العلم ان مصافحته لعدوه شوف تعني في حال الاتفاق التنازل عن حقوق اساسيه له في فلسطين. لكنه فعل ذلك لطمس صفحه كريهه من الالم الانساني ولكي تتمكن فلسطين فعلا من ان تستعيد مكانتها القدسية كموظن للسلام وانبياء السلام.

وان كانت اسرائيل الليكود واليمين تنوي من خلال العملية التفاوضية التي انبثقت عن مدريد ان تحقق تسوية من شأنها الحاق المزيد من الاجحاف بالحقوق الفلسطينية. ويحركها بوضوح تام ذلك الخليط القبيح من الطمع وغطرسة القوة، فان هنالك من توخى ان يوجد في شعب اسرائيل من يستطيع التجرد عن هذا المنظور الضيق لما تقتضيه المصلحة الاسرائيلية نفسها، وما يسمح به التاريخ اصلا. طال الامد ام قصر، وتوخى البعض منا خيرا من اثتلاف حكومي جديد يستند الى مبدأ مقايضة الارض بالسلام وتشترك فيه اطراف تعترف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبضرورة التفاوض مع منظمة التحرير، كما ولد التوجه الى السلام والمفاتحة المتوقع بتولد المثل لدى الطرف الاخر، فتتوفر في اسرائيل ملامح تلك الروح الايجابية التي تتلاءم مع الانفتاح الفلسطيني واليد الممدودة للسلام.

لكن التجربة التفاوضية مع الائتلاف الحاكم الجديد وبكل اسف، ايضا تعزز من الشك في قدرة او جدية اسرائيل على تحقيق السلام المنشود بل وفي ادراك اسرائيل لطبيعة المفترق الذي نقف امامه على المستويين الانساني اولا والسياسي ثانيا. فان اسرائيل تستمر في انتهاج الغطرسه والطمع وان تباينت اشكال الطمع وموضوعاته. كما انها وبكل اسف تلجأ الى اسلوب التفاوض المتبع في الصفقات التجارية دون الالتفات الى اننا لسنا امام هكذا صفقه بل امام تجربة انسانية شوف تنعكس اثارها ايجابا ام سلبا على اجيال المستقبل.

وقد يكون من المناسب في هذه الفتره الحرجة تذكير المفاوض الاسرائيلي باسس تتحكم في هامش حركة المفاوض الفلسطيني وتتحكم بالتالي في مستقبل المفاوضات، اذ ليس من شأن التضليل او التضليل الذاتي. الا توليد المزيد من الاحباط وتوسيع الفجوة بين الطرفين.

 

•  أولا: ان قيام اسرائيل بخلق حقائق جديده على الارض وتحديدا في شرقي القدس وذلك بامل اخراجها عمليا من معادلة المقايضة، انما يؤكد ان السلام سوف يكون مستحيلا في فلسطين لان احدا لن يقبل ولن يجؤ حتى للتفكير بان يقبل بمعاهدة تستثني السيادة على القدس، مما يعني ان الحلم الاسرائيلي بتحقيق السلام والسيادة على القدس معا انما هو ضرب من الوهم لن تؤدي محاولة تحقيقه الا الى تفجير المسيرة السياسية برمتها.

•  ثانيا: ان التفاوض على مرحلة انتقالية او حكم ذاتي لا يرتكز الى مبدأ ان هذه المرحلة انما هي تمهيد لازالة نهائيا وانها يجب بالتالي ان تصاغ بحيث تتضمن تنفيذ برنامج زمني لازالة هذا الاحتلال اداريا وعسكريا او التأمل بان لا تؤدي هذه المرحلة الى قيام الدولة الفلسطينية، او بأن التفاوض عليها هو اسلوب الالتفاف على موضوعه اللاجئين وحق العودة – كل ذلك ايضا من شأنه ان يفجر العملية السلمية ان عاجلا ام اجلا.

•  ثالثا: تخطئ اسرائيل ايضا ان ظنت ان الضغط الذي تساهم هي في ايجاده وتصعيده لا يترك مجالا للفلسطينيين الا لقبول التسوية التي تريدها. اي ان لا خيار اخر لنا بل قد يقود التحليل في نهاية المطاف الى النتيجة بان خيار اللاسلم واللامفاوضات افضل نفسيا وتاريخيا من خيار المفاوضات ونتائجها، كما ان خيار المطالبة بالضم والمساواة هو ايضا خيار جدي مستقبلا في حالة مفاضلته مع خيار الحكم الذاتي او مع خيار المقايضة الجغرافيه المنقوصة.

•  رابعا: تبقى القضية الفلسطينية هي المشكلة المركزية في الشرق الاوسط، ولن تنجح اسرائيل في تطبيع علاقاتها مع العالم العربي او في تحقيق نقلة نوعية في هذه العلاقات. ما لم تسوى القضية الفلسطينية بشكل يرتضيه الشعب الفلسطيني.

•  خامسا: لقد حان الوقت ايضا للاقرار بضرورة التفاوض مباشرة مع منظمة التحرير، وفي هذا الامر ضرورة استراتيجية تتعلق بطبيعة الحال الشمولي المنشود. فضلا عن الضرورة التكتيكية التي تتعلق بسير العملية التفاوضية من الناحية الفنية اللوجيستية.

ومن هنا وبعد انقضاء ثمانية عشر شهرا على المفاوضات، فانني انطلق لمطالبة اسرائيل بوقفه جاده امام العملية السلمية وباعادة حساباتها فانها اذا قررت انتهاز هذه الفرصه فعلا علما بانها قد لا تتكرر فان عليها انتهاج مدخل مختلف نوعيا للمفاوضات، وان تسير بخطى ثابته وواضحة لتحقيق الهدف المنشود وذلك على قاعدة اقرارها بان العملية السلمية تهدف لازالة الاحتلال على المستويين العسكري والاداري.

•  ومن ضمن الخطوات التي يمكن اتخاذها، مثلا:

•  قيام الوفد الاسرائيلي بتقديم برنامج زمني للانسحاب العسكري يبدأ تنفيذه فور الاتفاق على المرحلة الانتقالية، ويتضمن اولا انسحاب الجيش من كافة المناطق السكانية

•  قيام الوفد الاسرائيلي بتقديم برنامج زمني للانسحاب الاداري الشامل، يمكن استنادا اليه التفاوض بشأن حيثيات السلطة الفلسطينية الانتقاليه.

•  تعليق كافة اعمال سلطات الاداره المدنية الخاصة بوضع المخططات للاراضي المحتلة ومنها مخططات التنظيم الهيكلي، وذلك لاعتبار خذخ الاعمال من اختصاص السلطة الفلسطينية فور استلامها للحكم.

•  تعليق كافة نشاطات الحكومة في الاراضي المحتلة الخاصة باحداث تغيرات على وضعها الاساسي بما في ذلك النشاطات الاستيطانية وخافصة في القدس. وعزل القدس عن بقية الضفة.

•  المباشرة في تنفيذ مجموعة اجراءت على الارض من شأنها بناء الثقه بجدية اسرائيل بخصوص التسوية المتكافئة الدائمة، منها اغلاق السجون في اراضيها، واطلاق سراح الاسرى وخاصة الذين يعانون من امراض مزمنة وامضوا فترات طويلة (مثل سليم الزريعي)، وتنفيذ برنامج مستمر لاعادة المبعدين فوجا وراء فوج ولاعادى حملة الهويات الذين انقت التفرة المسموح بها لعودتهم، والموافقة على كافة طلبات لم الشمل ... الخ.

قد تقول ان هذه رزمة كبيرة من التنازلات احادية الجانب وغير مضمونه النتائج، كما انها تستثني الاشارة الى ما قد نفعله نحن الفلسطينيين والجواب انما هذه عينات صغيره من عبء كبير هو الاحتلال، فاذا قررتم انهائه فالطريق الى ذلك واضح اما نحن فاننا نسعى لاقامة سلام بكل معنى الكلمة وايجابياته للجانبين لا تقاس بانهائكم لاحتلال ارضنا وتمكيننا من ممارسة حقنا في تقرير مصيرنا.