استخلاص العبر من نواقيس الخطر

منبر الفجر- 1/3/1983

منذ بيروت وتتصاعد الأصوات فردياً وجماعياً من داخل المناطق المحتلة وخارجها منادية بضرورة إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يفوتنا الزمن وتتلاشى أو تذوب الأرض الفلسطينية أمام أعيننا، وتطالعنا وسائل الإعلام الأردنية والتصريحات السياسية يوماً بعد يوم، مشيرة إلى هول الأزمة وضخامة المصيبة التي تكتنفنا مقابل الضحالة المخجلة في إمكانياتنا، بل ووصل الحد بالتلفزيون الأردني مساء يوم السبت 26-2 أن أعلن خبراً مفاده أنه تم اكتشاف خطة صهيونية تستهدف تهجير السكان من الضفة وغزة وذلك بعد أن يتم ضم هذه المناطق لإسرائيل (مع العلم طبعاً أن من بديهيات الأمور أن يكون بث الأخبار هذه من شأنه أن يخدم نفس تلك الغاية التي اكتشف وجود مخطط لتحقيقها، بحيث يكون التنبؤ بوقوع أمر ما هو جزء من الحط لإيقاعه) .. ويرافق نواقيس الخطر هذه نماذج من الأمثلة المروعة، كالكلام عن القطارات التي سوف تبدأ بالتحرك بين كل لحظة وأخرى "علماً بأن محطة القطارات في فلسطين قد شيدت أصلاً بسواعد وأفكار الاستعمار" وكالكلام عن اقتراب ساعة منتصف الليل إلى آخره من هذه الأمثلة.

ويوازي هذه الحملة الترويعية موجة من الأصوات المحلية صحفاً كانت أم شخصيات سياسية متبعثرة في أرجاء الضفة وغزة لا زالت تروج لإمكانية الوصول إلى اتفاق بين عرفات وحسين يستطيع الأخير على أساسه أن يضع يده بيد الولايات المتحدة من أجل "تخليص الأرض والأهل من براثن الاحتلال".

والعبرة الكامنة وراء نواقيس الخطر هذه ووراء التفسيرات المعوجة لمقررات المجلس الوطني والتي يطلب من الأهل استخلاصها هي دعوة لأن يهرع المواطنون في الضفة وغزة لمطالبة الأردن بالتدخل لتخليص الأرض والأهل من براثن المستعمرات.

وإزاء هذه الدعوة فإنني أرى بضرورة إبداء بعض الملاحظات، كالآتي:

أولاً: إن التسارع المسعور في بناء وتوسيع المستعمرات الإسرائيلية في الضفة وغزة وخاصة على حساب التنمية البنائية داخل الخط الأخضر من جهة، وما يقابل هذا التسارع من التركيز الإعلامي والسياسي محلياً وعربياً ودولياً على ضرورة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرض من جهة أخرى، إنما يعطي الانطباع الزائف بأن الضفة الغربية هي قلب فلسطين أرضاً وأهلاً، وليس فقط لأهلها العرب إنما أيضاً من الناحية التوراتية. ولكن الحقيقة وراء زوبعة الاستيطان المزيفة وراء صحة نواقيس الخطر، هي أن بإمكان إسرائيل أن تواصل بناء ما تريد ومصادرة ما تريد من الضفة، ولن ينتقص هذا العمل من إمكانية الحل العادل شيئاً، لأن الحل العادل الذي نبتغيه ليس هو حلاً يتعلق بالضفة وأرضها، وحتى أهلها أصلاً، إنما هو حل بخصوص القضية الفلسطينية برمتها.

ثانياَ: إن مقررات المجلس الوطني كانت واضحة برفضها لنهج ومضمون مشروع ريغان، كما كانت واضحة كل الوضوح بشأن كل المشاريع التي تمس بحق م. ت. ف. في التمثيل الوحيد للشعب الفلسطيني، كذلك المشاريع التي تتكلم عن التفويض أو الإنابة أو المشاركة في حق التمثيل. ويتكرر هذا الوضوح في مقررات المجلس في سياق تحديد العلاقة مع الأردن على وجه الخصوص، حيث يتم التأكيد بشكل لا يقبل التأ.... بأن م. ت. ف. هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها.

إن القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الأخ أبو عمار محمية بهذه الأطر التشريعية، ولا يوجد مكان للخطة الأمريكية-الأردنية في هذا التصور الفلسطيني إلاّ إذا تغيرت معالم هذه الخطة بما يتوافق والمشاريع السلمية التي أقرها المجلس الوطني في جلسته بدون أي إبهام.

ثالثاً: إن لمن قبيل السذاجة أن نربط إمكانية حل القضية الفلسطينية بشخص الرئيس الأمريكي أو بفترة من فترات ولايته. إن علاقة الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط هي علاقة مصالح وهذه المصالح هي التي تحدد ما إذا كانت أمريكا مستعدة للوقوف إلى جانب العرب ومدى استعدادها هذا. وإنه لمن المؤكد سياسياً إن لم يكن منطقياً أن هذه المصالح لن تزول بمجرد ابتداء حملة الانتخابات الجديدة لرئاسة الولايات المتحدة. وقد يكون من المفيد في هذا الصدد مقارنة تصورات كارتر في مذكراته مع تصورات ريغان بخصوص حل القضية، وذلك لاكتشاف الفرق إن وجد بين سياسة الديمقراطي كارتر والجمهوري ريغان.

أما رابعاً وأخيراً فإنني أعتقد ارتكازاً لمقررات المجلس الوطني من جهة وللإمكانات الواقعية المتوفرة لتحقيقها من جهة أخرى أن علينا في الأرض المحتلة أن نوجه اهتمامنا ليس لأوهام الحل الذي ينتظرنا بفارغ الصبر، إنما إلى ترجمة معطيات استمرار الاحتلال على المدى المنظور-المصادرات المستمرة، ضم الأرض، إلخ – إلى وضع يمكننا معه استثمار الحد الأقصى من إيجابيات الاحتلال والتعرض للحد الأدنى من سلبياته.

ومن هذا المنطلق فلقد يكون من المجدي البدء بالتفكير جدياً على المستويات الثلاثة الآتية:

•  تجريد أنفسنا من التنظيرات الغبية والت,,, والحماس والاتكالية في رسم العلاقة بيننا وبين قياداتنا المحلية، والاعتماد على الكفاءة الفكرية والنقاء الأخلاقي كالمرتكزين الأساسيين لتثبيت قياداتنا وتطويرها.

•  تطوير العلاقات النضالية والتصورات الوطنية المشتركة مع أبناء شعبنا داخل الخط الأخضر بما يضمن استمرارية وتنامي الهوية الوطنية الواحدة غير المتجزئة للشعب الفلسطيني في كافة أرجاء فلسطين.

•  تعميق أواصر الصلة التي تربط بيننا وذلك عن طريق استحداث وتنمية هيئات جماهيرية متجذرة فعلاً بمصالح وتطلعات التجمعات البشرية التي تمثلها في الأرياف والمدن فلاحياً وعشائرياً ونقابياً وطلابياً ومهنياً، على أن يتم تلاحم هذه الهيئات مع بعضها بأشكال تعكس وحدانية مصالح الإنسان الفلسطيني أينما كان تواجده في فلسطين.

ولنوجه أنظارنا في العمل ليس إلى ما يمكن أو ما لايمكن تحقيقه، إذ أنه لا يوجد شيئ إلاّ ويمكن تحقيقه، بل إلى الوسائل المتوفرة لدينا لتحقيق ما نسعى لتحقيقه.