الاتصالات ... وما بعدها 4: أين نذهب من هنا؟

جريدة القدس - 5/10/1987

من المسلّم به أنه كلما زادت ثقتنا بأنفسنا، كلما كان هامش المناورة لدينا أوسع، وأنه كلما كان هذا الهامش أوسع، كانت قوتنا أكثر أثراً وفعالية.

والثقة بالنفس تعني الثقة ببعضنا البعض، وانعدام هذه الثقة لا يعني فقط فقدان هامش المناورة في السياسة، وإنما يعني أيضاً اهتزاز ركائز الهوية التي نتميز بها كشعب واحد. ومن هنا فلقد كان اتهام البعض لنا بأننا خرقنا أسس الإجماع الوطني ومقررات المجالس الوطنية من خلال اتصالاتنا مع عميراف، إنما يعكس من جهة، أمراً خطيراً هو انعدام الثقة بالنفس، ويؤثر سلبياً من جهة ثانية، بركائز وحدة شعبنا واعتزازه بهويته المتميزة، وخاصة في مؤسسات الأرض المحتلة.

واقع الأمر أن قرارات المجلس الوطني لا تمنع الاتصال مع تكتل "حيروت" وتجيزه مع حزب "راتس" أو حزب "شينوي"، بل هي تسمح بالاتصال مع القوى الإسرائيلية التي تؤيد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في نضاله العادل لإنهاء الاحتلال. ومن هنا، فليس الانتماء الأيديولوجي أو الحزبي للطرف الإسرائيلي المعني، هو بالضرورة ودائماً، المقياس الأكيد في مثل هذه الاتصالات، بل يؤثر على تحديد مقبوليتها أيضاً، موقف هذا الطرف إزاء الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. فإذا كانت لدى عميراف، وهو ينتمي ل "حيروت"، مواقف تختلف عن تلك التي يتبناها حزبه رسمياً، فإنها يجب أن يكون هذا الأمر حافزاً لنا لتشجيعه وليس أرضية لاتهام من يلتقي به بالخيانة.

هذا هو الحق، ومن ينكره فإنما يؤثر خداع النفس، أو يقصد الاصطياد في المياه العكرة لتحقيق مآرب في نفسه.

ما يزال البعض هنا، يحلم ويتمنى ويتخيل، وينتظر حدوث المعجزة السحرية، فيتجلى مارد الجماهير العربية من داخل زوبعة صحراوية تهب في المشرق، ويأتي على إسرائيل فيحطمها، وعندئذ يتمكن الشعب الفلسطيني من أن ينطلق في عربة فضائية تخترق حاجز الزمن، فيجد نفسه وقد هبط على ربوع فلسطين قبل خمسين عاماً. والحق هو أن الحلم لا يتحقق إلاّ من خلال التعامل مع الواقع. فبين المنهجية الخيالية التي تتعامل فقط الحلم، والمنهجية الاستسلامية التي تتعامل فقط مع الواقع، توجد هنالك السياسة الناجحة التي تتعامل مع الواقع من أجل تحقيق الحلم.

والواقع هو حيروت ورابين وشامير، فإما أن نجد صيغة معهم تمكننا من الخلاص منهم والعيش بجانبهم في دولة نتمكن فيها من أن نرعى شؤون أجيالنا القادمة، وإما أن نهيئ أنفسنا لصراع لم نخض مثيله سابقاً، وهو صراع الوجود كشعب يقع تحت هيمنة سلطة تمتص موارد كافة البلاد، في الوقت الذي تسلب منا فيه حقوقنا.

أمام هذه التحديات علينا أن نُسخّر كافة طاقاتنا، ولا مانع من أن نستعمل جهودنا السياسية داخل وخارج الأرض المحتلة، بحيث يمكننا التأثير ولو قيد أنملة على مجرى الأحداث المستقبلية فإن علينا واجباً وطنياً أن نبذل كل جهدنا في هذا المجال.

ومن الخطأ أن نقف أمام التاريخ حائرين مستسلمين لقوى غيبية، فمنا من ينتظر ظهور المارد العجيب، ومنا من ينتظر انتخابات الرئاسة في أميركا، ومنا من ينتظر الوفاق النووي بين القوتين العظميين، بل يجب أن نثق بأنفسنا كفلسطينيين وأن نعمل بالتالي على توسيع دائرة المناورة، ومن البدهي أن يشكل لنا الشارع الإسرائيلي هدفاً إعلامياً مباشراً، ويجب علينا اعتبار توجهنا لهذا الشارع استكمالاً للعمل الفلسطيني الشامل، وليس بديلاً له، فنجاحنا لن يتحقق بهذا العمل أو ذلك لوحده، وإنما كحصيلة تراكمية لمجموع النضالات التي خاضها ويخوضها هذا الشعب.