الاتصالات .. وما بعدها 3: التشهير والعنف

جريدة القدس - 3/10/1987

تم الكشف عن الاتصالات التي جرت بيننا وبين عميراف عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية وذلك بعد أن كنا قد التزمنا من جانبنا الصمت بخصوصها عملاً بوعدنا لعميراف بأن لا نكشف عن موقفه وآرائه للشارع الإسرائيلي قبل أن يحصل على الدعم والتأييد الكافي لها. وكان هو قد طلب منا التزام الصمت حتى لا يحترق سياسياً إذ أن موقفه الداعي للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وبالمفاوضة مع منظمة التحرير الفلسطينية كان يشكل اختراقاً واضحاً وسافراً لموقف الأحزاب الصهيونية المؤسساتية التي ينتمي إليها.

ولم يتم الكشف عن هذه الاتصالات إلاّ لأن بعض الإسرائيليين الذين كانوا على علم بها، وقاموا بدور الوساطة بيننا "دافيد إيش شالموم ويروشالمي" كانوا قد استاؤوا من قيام الحكومة الإسرائيلية باعتقال فيصل الحسيني وقصف عين الحلوة قبل أيام معدودة من قيام عرفات بزيارة جنيف لحضور مؤتمر المؤسسات غير الحكومية بخصوص القضية الفلسطينية، كما واستاؤوا أيضاً من تراجع عميراف في اللحظة الأخيرة عن خطته للالتقاء مع عرفات خلال تلك الزيارة وعرض مبادرته عليه. فقرر إيش شالموم ويروشالمي فضح الأمر في جريدة "كول هعير" مما حدا بعميراف لأن يرتب مقابلة تلفزيونية له مساء الخميس 24/9، وذلك لكي يستطيع أن يستبق الأحداث ويصورها بالصورة التي تليق له وبه.

لقد كان الكشف عن هذه الاتصالات بهذه الصورة في وسائل الإعلام الإسرائيلية هو السبب الذي دفع بعض الفلسطينيين إلى الشك والتشكيك بالأطراف الفلسطينية التي شاركت في هذه الاتصالات، إذ أنه بدا وكأننا منغمسين في عملية تفاوض متجاوزين بذلك الثوابت الوطنية ومنظمة التحرير، في الوقت الذي كنا فيه نخوض ما يمكن وصفه بأنه أجرأ وأدق عملية اختراق دبلوماسية داخل المؤسسة الصهيونية، حصلت في الآونة الأخيرة، في الوقت الذي كنا فيه ملتزمين تماماً بالثوابت الوطنية الفلسطينية.

ولقد كنا نأمل بأن يشكّل لقاء عميراف بعرفات في جنيف تتويجاً لعملنا الدبلوماسي في الداخل، وتمهيداً للمرحلة الثانية، وهي مرحلة الاتصال المباشر بين المنظمة وتكتل الليكود، وصولاً إلى هدفنا في إنهاء الاحتلال وممارسة حقنا في تقرير المصير، علماً بأننا لم نكن ولا يمكن يوماً ما أن نكون، بأنفسنا، ممثلين عن الشعب الفلسطيني ومتحدثين باسمه بدلاً عن منظمة التحرير.

***

إن حملة التشهير التي تعرضنا لها، والتي تعرضت لها أنا شخصياً، إنما دلت على التسرّع والتهوّر في إصدار الأحكام، كما أن هذه الحملة، بما تضمنته من بيانات مليئة بالاتهامات الجارحة والتي هي بعيدة كل البعد عن الواقع، إنما هيأت الجو المناسب لذلك الطرف أو أولئك الأفراد الذين ارتأوا أن معالجة الوضع إنما يتم عن طريق استعمال العنف.

وهنا لا بد من القول أن حملات التشهير والتشكيك الداخلية لا يمكن إلاّ أن تخدم الطرف الآخر في معادلة الصراع الفلسطينية – الإسرائيلية وأن اللجوء للعنف كأسلوب في الحوار الفلسطيني – الفلسطيني لا يمكن إلاّ أن ينتقص من مستوى وموضوعية هذا الحوار، في الوقت الذي نحن أحوج ما نكون فيه لتطوير وتنمية عقلانية هذا الحوار، علماً بأن العقل وليس الهراوة، هو المنبع الذي يمكننا أن نستقي منه سبل الخلاص من هذا الاحتلال.

***

إن صاحب الكلمة هو أيضاً صاحب مسؤولية كبرى، وعليه التأني قبل أن يطلق الاتهامات ويستعمل المصطلحات الخطيرة. فلكل كلمة أثرها، والذي لا يتورّع عن التجريح بالغير معرّض لأن يُجرح مهما تحرّى بأن يكون ملتثماً أو مستتراً.

(الحلقة القادمة: أين نذهب من هنا؟)