الاتصالات ... وما بعدها 2: كيف نختلف

جريدة القدس- 1/10/1987

أن تكون لي اجتهادات أو أفكار معينة، فهذا شيء، وان أقوم بممارسة بعض الأفعال فهذا شيء آخر، والفرق شاسع بين الاجتهاد النظري والتطبيق العملي. فاللقاءات التي تمت مع عميراف وتتم بين الفينة والفينة والأخرى مع إسرائيليين آخرين بغية دفع عجلة السلام هي ممارسة سياسة عملية.

أما الأفكار التي اطرحها بين الفينة والأخرى بخصوص الصراع مع إسرائيل والتي قد تبدو غريبة الشأن فهي مجرد اجتهادات نظرية. فإذا اختلف معي البعض فقد يختلف بخصوص الفكر وقد يختلف بخصوص الممارسة.

بالنسبة للفكر، وبغض النظر عن أي مضمون معين له، فمعنى وجود الديمقراطية وحرية الرأي داخل الحركة الوطنية أو داخل اتجاه معين هو العمل بموجب مبدأ أساسي: أن يكون لي الحق في إبداء وجهة الرأي الخاصة بي، ثم أن يكون من الواجب علي الالتزام بوجهة نظر الأغلبية. فهنالك حق وواجب، والحق هو لي على الجماعة، والواجب هو للجماعة علي.

من هنا، فإذا اجتهدت وقلت مثلا، انه للوصول للمريخ يجب المرور بزحل وليس بالزهرة، فانه يكون من قبيل التشويش أن يقال: فلان على وشك السفر إلى زحل، ويكون هذا التصوير خاطئا للوضع، لان الذي طرحته كان فكرا ولم يكن إعلانا عن نية للقيام بعمل. والفكر من شانه أن يناقش وان يمحص، وان يقيم وان ينتقد، ولكن لا يتم نبذ صاحبه طالما حمله من جهة، ولكنه التزم بوجهة نظر الجماعة من جهة ثانية. رأيي الشخصي أن المرور بزحل أفضل، ولكنني حين آتي للممارسة، فإنني أضع رأيي الشخصي جانبا، وأكرس جهدي أن نمر عبر الزهرة. فان التزمت من جهتي بالجانب الأول من مبدأ الديموقراطية، فمن حقي على الجماعة أن تلتزم بالجانب الثاني تجاهي، وهو جانب إعطائي الحق بان أقول رأيي دون أن أقع تحت طائلة التخويف.

هذا بالنسبة للفكر، وأما بالنسبة للممارسة العملية فالهامش أضيق؛ ويتعلق السؤال هنا ليس بايهما أفضل، المرور عبر زحل أو الزهرة، بل بما إذا كانت هذه الممارسة أو تلك من شانها أن تؤدي فعلا إلى الزهرة، أو إذا كان من شانها أن تؤدي إلى مكان آخر، لا يريد احد منا الوصول إليه.

فاللقاءات التي أجريناها مع عميراف مثلا، إنما أجريناها بهدف الوصول إلى هدف ضمن ثوابت أو أسس متفق عليها.

فالهدف في هذه الحالة هو حق تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعودة اللاجئين، وكان المفتاح المتفق عليه هو منظمة التحرير. فإذا اختلف احد معنا في هذا الخصوص، فيكون ذلك ليس على أساس أننا استبدلنا الثوابت المتفق عليها بأفكار خاصة من عندنا، ولكن على أساس إننا قد نكون قد أخفقنا في تحقيق هذا الهدف المتفق عليه، أو على أساس أننا أغفلنا حقيقة أن هذا لا يحقق ما نؤمله.

والفرق هائل بين هذا النوع من الخطأ، إن اقترضنا وقوعه أصلا، وبين ممارسات عملية لا تقع ضمن حدود الساحة الوطنية، ومنها مثلا لقاءات فلسطينية إسرائيلية تتم من اجل ضرب الحركة الوطنية، ولكن وبالرغم من ذلك، فان الضرر الذي يمكن أن ينجم عن ممارسة عملية مهما كانت ملتزمة على الصعيد الذاتي، اكبر بكثير من الضرر الذي يمكن أن ينجم عن التعبير عن رأي، مما يتطلب إخضاع الممارسات العملية لمجموعة ضوابط، منها وأهمها عدم الانفراد بالقيام بعمل ما والعمل بدلا عن ذلك من خلال المجموعة وبمشاركتها الأمر الذي اخاله قائما في كافة أو أغلبية الممارسات السياسية الوطنية في دائرة اللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية.

الحلقة القادمة: " التشهير والعنف"