الاتصالات وما بعدها : أولا . . . عميراف

صحيفة القدس - 30/9/1987

ابدأ بالقول انه إن كان هناك احد يظن أو يشك بأنني أو غيري يمكنه أن يقوم من وراء الكواليس ببيع فلسطين أو بالمساومة على قضيتها، فلينم مطمئن القلب من هذه الناحية، فإذا كان هنالك بيع وشراء بالقضية، فإنني أؤكد للجميع انه قد تم منذ عهد بعيد، والمصيبة الكارثة هي أننا لم نصح جميعا لهذه الحقيقة، ولا زال البعض منا يحلم بان البيع والشراء ممكن.

إننا نعيش الآن مرحلة ما بعد البيع والشراء، نحن نعيش في مرحلة أقسى، هي مرحلة صراع البقاء، ويتطلب صراع البقاء هذا منا أن نتعامل مع وضعنا بقدر عال من المسؤولية والجدية والوعي، فلا يمكن لشعبنا أن يتحمل مزيدا من الغوغائية أو العاطفة الصرفة مهما كانت صادقه، كما لا يمكنه أن يتحمل صراعات جانبية وداخليه وثانوية، بل يجب تسخير عقولنا وإمكانياتنا جميعها من اجل البقاء.

وفي هذا السياق، فالواجب يحتم علينا أن نشجع كافة الظواهر الايجابية التي تبرز بين الحين والآخر في معسكر الخصم، ليس لان هذه الظاهرة أو تلك لوحدها كفيله بأن تنتشلنا من مستنقع الفناء بل لان عملية استثمار هذه الظواهر لديها مفعول تراكمي، قد لا يؤدي اليوم إلى نتيجة، ولكنه قد يساهم في التأدية إلى نتيجة يوما ما.

*****

جاءنا موشي عميراف، عضو اللجنة المركزية في "حيروت"، ورئيس اتحاد شبيبتها سابقا، بمواقف متقدمة للغاية، تضمنت اعترافا بحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير، ويوجب التوصل إلى تسوية من خلال المفاوضة مع ممثل هذا الشعب اي منظمة التحرير، وعرض علينا إمكانية التوصل إلى حل نهائي من خلال مرحلتين من المفاوضات بين إسرائيل والمنظمة: الأولى منهما تقود فورا إلى إقامة كيان فلسطيني لا تنقصه إلا مقومات الدفاع العسكري، والتمثيل الدبلوماسي الرسمي، وهو سيادي في جميع شؤونه فيما عدا ذلك، بما فيها الشؤون الاقتصادية والمصادر الطبيعية والأرض. بينما تقود المرحلة الثانية منهما إلى حل نهائي ضمن إطار الشرعية الدولية.

كان لا بد لنا بالطبع من أن نضع كافة الاحتمالات نصب أعيننا، وان نعمل وفقها. هل هي مؤامرة ليكودية تستهدف سحب البساط من تحت أرجل مبادرة حزب "العمل"؟ هل هي مبادرة خاصة لا تتعدى عميراف وبعض اصدقائة في الحزب؟ هل هي جادة، ام هي مجرد مناورة تستهدف تخفيف الضغط الدولي والمحلي على شامير؟

آخذين بعين الاعتبار كافة الاحتمالات هذه، قررنا التعامل مع عميراف بحذر مدروس، إن كان لوحده، أردنا تشجيعه وتوسيع حلقة مؤيدية داخل حزبه، وان كان هذا عرضا ليكوديا جادا، أردنا منه أن يصل به إلى المعنيين بالأمر في قيادة المنظمة، وان كان مناورة أردنا أن نكون نحن الطرف المستفيد منها وليس الليكود.

تصرفنا مع الوضع بشكل مسؤول، لم نحضر إي جلسة لم يكن فيها من طرفنا اقل من اثنين، وتابعنا تدقيق وتقييم الجلسة تلو الأخرى وحاولنا قدر الامكان أن نسحب بهذا الخيط الذي برز من مكان لم يكن يتوقعه احد، وفي جميع الحالات كان موفينا المعروف، لسنا مخولين بان نقبل أو نرفض هذه المقترحات.

في المحصلة الأخيرة، لا اخالنا قد خسرنا أكثر مما كسبنا، فمع أن المحادثات قد نسفت لسبب أو آخر ليس هذا مجال تقييمه إلا أننا استطعنا ولو على صعيد المناورة السياسية أن نستفيد، وقد ظهرت الفائدة حين تكشف الأمر في الشارع الإسرائيلي، وصعق كل من له علاقة بحقيقة ان من خضم ذلك الحزب الذي طالما تباهى بان لا حوار مع المنظمة إلا من خلال البندقية، برز من يقول: لا تسوية بدون منظمة التحرير، هذا هو الاعتراف الذي صعق به وايزمان.

لا داعي لان ادخل في تفاصيل الانفجارات السياسية التي وقعت داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي نتيجة للاتصالات، إذ أن الكل على علم بها. لكن هنالك حقيقة بارزة يجب التركيز عليها، وهي أن المنظمة أصبحت الآن طرفا شرعيا في الشارع الإسرائيلي يمكن مفاوضته، ولا يستطيع حزب "العمل" من الآن فصاعدا أن يبرر رفضه لمفاوضة المنظمة بالقول أن الليكود سوف يزايد عليه إن قبل وجود المنظمة كطرف أساسي في المؤتمر الدولي للسلام.

الحلقة القادمة: " كيف نختلف "