بين الخيارين الإسرائيلي والإسرائيلي

جريدة القدس- 3/11/1982

يوجد أمام الفلسطينيين على المدى القصير خياران، كلاهما إسرائيليان, هما " الخيار الليكودي " و" خيار المابام ".

فلقد أفادت أنباء افتتاح الدورة الجديدة للكنيست لهذا العام أن زعيم المعارضة الإسرائيلية شمعون بيريس قد أشار في سياق انتقاده لسياسة الحكومة بخصوص الضفة والقطاع إلى المخاطر الناجمة عن تطبيق الحكم الذاتي بالصيغة الليكودية. إذ أن هذا سوف يؤدي، على حد قوله، إلى قيام اتحاد فيدرالي بين كيانين احدهما فلسطيني – عربي والآخر إسرائيلي - يهودي في دولة إسرائيل

والمتتبع لأخبار المعارضة يرى فورا في تحليل بيريس شبها بتحليلات عضو المعارضة أبا ايبان الذي أشار في أكثر من مناسبة في مقالاته إلى أن الصيغة الليكودية للحكم الذاتي سوف تؤدي لا محالة إما لدولة مقيتة على غرار النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وإما لدولة ديمقراطية مختلطة يهودية وعربية.

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى، فان حزب المابام المعارض يبدي استعدادا للحل السلمي الإقليمي، إذ انه ومن المنطلق الصهيوني البحت القائل بضرورة الحفاظ على العنصر اليهودي الغالب في إسرائيل فانه مستعد للتخلي عن جزء من " ارض إسرائيل التوراتية " ويدفع المابام باتجاه ما يسمى بالخيار الأردني، ذلك الخيار الذي يشترط استثناء قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي التي يبدي استعداده للانسحاب منها.

فهو يدفع اذن باتجاه انشاء اتحاد فيدرالي بين الشعبين الفلسطيني والاردني في الضفتين ضمن سيادة اردنية

فالخلاف الصهيوني – الصهيوني بين حزبي الليكود والمابام هو خلاف بين القائل بإعطاء الأولوية للأرض على حساب العنصر اليهودي، وبين القائل بأولوية العنصر اليهودي على الأرض، وبينما تدعو السياسة الليكودية لانصهار الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع في إطار دولة إسرائيلية، فان السياسة المابامية تدعو لانصهار الشعب الفلسطيني في هذه المناطق في إطار دولة أردنية

أما لو عكسنا أنظارنا الآن وحاولنا تقييم الوضع والمواقف من الزاوية العربية، لرأينا أن ثمة وجهتي نظر أيضا، ما بين متعاطف مع الحل السلمي ومناهض له.

إما من الجانب الأول، فان هنالك من الفلسطينيين من ينادي بأولوية الحفاظ على عروبة الأرض، وهو يرى في الحلول السلمية المطروحة على الساحة بما فيها مشروع ريغان والخيار الأردني الفلسطيني الذي علينا إجابته بحكمة وحذر. أما دون ذلك من أسئلة، بما فيها السؤال حول الخيار الأردني، فهي ليست أسئلة تعنينا فلسطينيا إلا بشكل غير مباشر، وذلك من خلال تدارس نوعية النتائج بعيدة المدى المترتبة على المتغيرات الممكنة من المنطلقين الليكودي والمابامي.

إذ انه من الواضح أن انتصار أي من الخيارين المذكورين سوف يكون انتصارا صهيونيا

أما الخروج السياسي من مأزق التناقض وحتى بالثمن المذكور فانه جدير بالاهتمام ليس فقط لان تحقيقه سوف يشكل انتصارا فلسطينيا، بل أيضا لان عدم القيام بمحاولة تحقيقه سوف يفقد المنظمة مصداقيتها غير الأيديولوجية الصرفة ويظهرها وكأنها غير قادرة على التعامل مع كافة المعطيات السياسية وعلى استثمار كافة المواقف والأحداث، كحركة تحرير وطنية.

ولذا فإنني أقول فلتواصل المنظمة والدول العربية من ورائها العمل حتى استنفاذ كافة الإمكانيات المتوفرة لإقحام إسرائيل وحليفتها أميركا في معركة السلام، ليس بالشروط المابامية – الليكودية بل بالشروط الفلسطينية المذكورة، فان نجحت تلك المساعي فما على يسار المنظمة إلا إعادة تقييم معطيات الصراع الأيديولوجي في المنطقة. أما إن فشلت فما على يمين المنطقة إلا إخلاء الساحة أيديولوجيا.

عن طريق المعادلة العسكرية المذكورة إضافة للعمل المسلح، أو قد يعني فرض مثل ذلك الحل عن طريق تلك المعادلة والعمل المسلح تمهيدا لحرب شعبية ديمقراطية اشمل تهدف للحل النهائي الديمقراطي. ومن الواضح أن التحركات السياسية والعسكرية الفلسطينية تدور بشكل عام في هذا الفلك، فمنها ما يعكس بوضوح هذا التيار أو ذاك، ومنها ما يتذبذب ما بين هذا التيار وذاك. ولو حاولنا الآن أن نترجم وجهتي النظر الفلسطينيتين ضمن المعطيات السياسية والعسكرية وعلى المدى الواقعي المنظور إلى المناظير الإسرائيلية، لرأينا وبعد إزالة الضباب وغض النظر عن الأهداف البعيدة، أن الخيار الفلسطيني الذي يمثله التيار الأول يمكن في واقع الأمر ترجمته للخيار الإسرائيلي المابامي. بينما يمكن ترجمة الخيار الفلسطيني الذي يمثله التيار الثاني في واقع الأمر المنظور إلى الخيار الإسرائيلي الليكودي.

وأقول أن التيار الثاني يتوافق مرحليا والسياسة الليكودية لأنه يرفض الحل السلمي الإقليمي من جهة " فهو يرفض إذن الحل المابامي "، وهو لا يستطيع على المدى المنظور أن يقف حائلا أمام تطبيق الشكل الثاني للسياسة الصهيونية عن طريق الليكود من جهة أخرى " فهو لا يستطيع منع ضم الضفة وغزة لإسرائيل "

إذن، فانه ليس من الغريب أن يكون السؤال الفلسطيني المطروح على الساحة في هذه الظروف وخاصة من داخل صفوف التيار الثاني مع اخذ هذين الخيارين الإسرائيليين بعين الاعتبار، هو إن كان يمكننا انتشال أنفسنا سياسيا من مأزق التناقض الذي يفرضه علينا هذان الخياران، محققين بعملنا ذلك مطلبا أدنى يتوفر فيه عنصران ضروريان في أية تسوية هما عروبة الأرض من جهة واستقلالية هوية الشعب من جهة أخرى. هذان العنصران اللذان يشكلان بتقاطعهما مطلب الدولة الفلسطينية المستقلة.

إن الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب يفترض أن بالامكان توفير ضغط أمريكي – أوروبي على إسرائيل، وخاصة على المعارضة في إسرائيل، لجعلها تتراجع إلى الدرجة التي يمكن معها تحقيق الحد الأدنى للمتطلبات الفلسطينية. ومما لا شك فيه أن مثل هذا الضعف كان ممكنا سوف يفرض شروطا منها الاعتراف بإسرائيل والقبول بترسيخ المنهج والنفوذ اليميني في المنطقة.

أما الإجابة على هذا السؤال بالنفي فهو يفترض إما عدم واقعية الضغط الدولي اليميني لتحقيق المطلب الأدنى للحقوق الفلسطينية، وأما عدم فائدة مثل هذا الضغط ولو كان ناجحا على واقع الحركات الثورية في العالم العربي

إن هذا هو السؤال

ايجابيات لا بد من الاستفادة منها. أما التيار الثاني، فهو ينادي بضرورة إعطاء الأولوية للحفاظ على هوية الشعب الفلسطيني المستقلة، فلهوية الوطنية عنده هي الشرط الأساسي والمسبق لقضية الأرض، ويجب أن تتحقق هذه الهوية كشرط لاستعادة الأرض.

ووجهات النظر الفلسطينية التي يتضمنها هذا التيار الثاني لا ترى إمكانية لتحقيق أهدافها المرجوة عن طريق الحلول اليمينية السلمية، بل هي تؤمن بفعالية وواقعية " الخيار العسكري " ثم تتباين وجهات النظر تلك بعد ذلك، إذ أن الخيار العسكري المعني قد يعني فرض حل إقليمي على إسرائيل يتضمن تحقيق الهوية الفلسطينية كخطوة أساسية من خلال معادلة عسكرية دولية تعكس مصداقية عسكرية للجانب العربي يكتسبها من مجرد تحالفه مع الاتحاد السوفياتي في المنظومة الاشتراكية، أو قد يعني فرض قبل ذلك الحل