اولا الارض ... ثم السكان

جريدة القدس - 1987/11/4

بعد ان قام الوزير شابيرا الاسبوع الماضي بضم صوته لاصوات زئيفي وديكل وغيرهما بالاعلان عن اقتراحه، دفع مبلغ 20 الف دولار لكل فلسطيني من الضفة والقطاع يهاجر من البلاد. اتصل بي مراسل "الواشنطن بوست" ليسالني اذا كان يوجد لدي اي تعليق على الموضوع، اخذا بعين الاعتبار مقالاتي وافكاري التي اطرحها على التحدي السكاني.

كانت اجابتي الفورية للمراسل بانني على يقين، والحالة هذ، بان الدول العربية ومنظمة التحرير مستعدة لدفع ضعف هذا المبلغ، لكل يهودي يهاجر من البلاد، بل قد يجب على المنظمة ان تفتتح مكتبا لها في فيينا بمحاذاة مكاتب الوكالة اليهودية، حيث يمكنها ان تعرض على المهاجرين اليهود الجدد القادمين من الاتحاد السوفياتي او من مكان غيره مبلغا قيما مقابل تحويل وجهتهم الى الولايات المتحدة.

هذا على مستوى التصريحات والتعليقات.

اما فيما لو حققنا النظر في المشكلة التي تكمن وراء هذه "المفرقعات الكلامية" لرأينا امرا مثيرا للقلق، فكما قال لي احدهم ذات مرة: "لقد حققت اسرائيل الجزء الاول من مشروعها الصهيوني الكبير وهو الجزء المتعلق بالاستيلاء على الارض. اما الان فهي تتجه لتحقيق الجزء الثاني من هذا المشروع وهو الجزء المتعلق باضفاء الصبغة اليهودية السائده على هذه الارض، الامر الذي يتطلب تفرغع او تقليص الوجود السكاني العربي عليها".

والحقيقة، اذا كان لا بد من ان نعترف بها، هي فعلا كذلك: لقد هزمنا في الجزء الاول من حرب المواجهة، حيث سلبت منا الارض في عامي 48 و 67, ونحن نقف الاة على عتبة مرحلة جديدة، هي عتبة الجزء الثاني من المعركة، وهو الجزء المتعلق بالمعركة السكانية والتي سوف تكون اكثر ضراوة وقساوة من معركة الارض. والمعركة السكانية لن تجد فاصلا لها على حدود "الخط الاخضر"، اذ سوف تكون عرقيه – دينية، وليست جغرافية، ولن يميز كهانا بين ام الفحم وطولكرم في هذا المجال.

والمعركة السكانية سوف تستهدف اسرائيليا ام تهجير "تطفيش" العرب من البلاد، او كبتهم ومحاصرتهم سياسيا تحت سقف الحقوق المبتورة "حكم ذاتي، حقوق مواطنة منقوصة ... الخ" او مزيج من هذين الاحتمالين.

امام هذا التحدي الجديد، ماذا علينا ان نفعل؟

ان الشرط الاساسي المتطلب وجوده لدينا من اجل مواجهة هذا التحدي وخوض هذه المعركة بنجاح هو الوعي، والوعي الذي اعنيه، هو الوعي بانتهاء المرحلة الاولى من الحرب والقدرة على تمييز ملامح المرحلة الثانية، اي ان نكون واعين لانتقال ساحة المواجهة من دائرة العراك حول الارض لدائرة العراك حول السكان.

وبعد ان نعي حقيقة الصراع في المرحلة الجديدة، فعلينا ان نبذل جهدنا في وضع استراتيجية تليق بالتحدي الجديد، هذه الاستراتيجية التي يجب ان تستهدف كحد ادنى، تدعيم الصمود وتجذير الوجود وكحد اقصى تحقيق كامل الحقوق الوطنية الفلسطينية، بدءا بحق العودة وانتهاء بحق اقامة الدولة المستقلة.

فاذا تطلب ذلك منا التخلي عن استراتيجية "البرنامج المرحلي" والعمل مباشرة باتجاة اقامة الدولى الديمقراطية العلمانية، فليكن ذلك، ولنكن مستعدين لدراسة الاحتمالات كافة وتقييم الوسائل التي من شأنها ان تحقق غايتنا.