فَليَكن عَقلنَا سِلاحاً

جريدة القدس - 15/7/1987

نظمت مؤسسة "الفجر الإنكليزي" خلال الأسبوع الماضي في الفندق الوطني في القدس مؤتمرا أكاديميا مكثفا استغرق يومين كاملين تضمن ثماني جلسات متفرقة طرحت فيها حوالي 24 ورقة بحث وتحليل حول الوضع في الأرض المحتلة والسيناريوهات المستقبلية المختلفة. وحضر المؤتمر حوالي 140 شخصا من رجال فكر وأساتذة جامعات وصحفيين أجانب ومحليين وإسرائيليين، كما قام وفد الحزب الشيوعي الإيطالي الزائر بإلقاء كلمته واستمع الحضور أيضا إلى كلمات لكل من وليام كوانت رجل السياسة الاميركي السابق وهيلينا كوبان صاحبة كتاب " منظمة التحرير الفلسطينية "وأستاذ ياباني مختص بشؤون الشرق الأوسط، كما وتخلل المؤتمر نقاش شامل إضافة إلى الملاحظات والمداولات التي جرت على هامش جلسات المؤتمر الرسمية.

بالنسبة لي شخصياً فأنه يمكنني القول بدون أي تردد انه لم يسبق لي أن شاهدت مثل هذا الحدث الفكري في القدس، ولقد استفدت فائدة جمة من الاستماع لوجهات النظر المختلفة وللنقاش الذي دار حول التحليلات التي طرحت، بغض النظر عن موافقتي أو عدم موافقتي عما جاء فيها.

لكن استفادتي من هذا الحدث حثتني على التفكير بضرورة وجود حوار فلسطيني/ فلسطيني بشكل دوري منتظم، تطرح فيه وجهات النظر المختلفة وتمحص بشكل موضوعي، بعيدا عن المهاترات " الصبيانية " والمزايدات والشعارات والاتهامات التي سئم شعبنا منها، وبعيدا عن جو الإرهاب الفكري الذي يمارسه هذا الطرف أو ذاك كلما أراد المرء منا أن يتفوه بكلمة أو أن يعرض فكرة.

نحن بحاجة إلى ندوة فكرية مستمرة تعقد بصورة منتظمة مرة كل شهر مثلا، تكون مفتوحة لكل من يريد أن يشارك فيها، حيث يطرح فيها الأفكار وتناقش بروح ايجابية. نحن بحاجة إلى " مطبخ فكري "، تتبادل فيه الآراء المدروسة، وتختبر فيه الاطروحات المختلفة. نحن بحاجة لأن نتناقش معا بصدر رحب ونحن بحاجة للتقييم المستمر. نحن بحاجة لان نجمع شتات أنفسنا، ليس بالضرورة على أرضية الرأي الواحد، ولكن على الأقل على أرضية الاحترام المتبادل للآراء والإجتهادات المختلفة. نحن بحاجة لزرع الثقة فيما بيننا، لا أن نمارس عملية الإرهاب والإحباط عن طريق الاتهامات والشتائم والتصفيات. بل نريد أن نفترض إننا جميعا فلسطينيون، وان لكل منا الحق في إبداء وجهة نظره، ولكل منا الحق في انتقاد وجهة النظر هذه، في جو من الثقة المتبادلة والمعرفة اليقينية إن كلا منا يسعى لمصلحة وطنه، وليكن الحكم والمرجع في تقييم هذه الآراء العقل والمنطق والدراسة، وليس الجهل أو الانغلاق أو التعصب.

نحن بحاجة إلى فتح قلوبنا على بعضنا البعض، كي نجلس سويا ونتناقش في جو علمي هادىء، ونتباحث في أوضاعنا العامة وفي المستجدات والإجراءات التي نواجهها في أرضنا المحتلة.

أتمنى أن تصبح قاعة الاجتماعات في الفندق الوطني " أو أي مكان مناسب غيره " مقراً دائما للحوار الفلسطيني/ الفلسطيني، ومجلساً فكرياً مفتوحاً يساعدنا جميعا في توسيع مداركنا عن طبيعة الاحتلال، وسبل مواجهة إجراءاته، حفاظاً على هويتنا وإستمراريتنا.

فلننبذ الإرهاب الفكري وطريق الاتهامات الطائشة إلى الأبد. ولنفتح أبواب العقل المغلقة، كسلاحنا الأول للدفاع عن بقائنا