سيناريوهات وحلول القضية الفلسطينية

في ظل التحولات الدولية والإقليمية

محاضرة في  معهد أبو لغد للدراسات الدولية

في 1/6/2003

 

ليس واضحاً مستقبل الدولة بمعناها أو مضمونها التقليدي، وبالتالي معنى السيادة على مستوى السياسة العملية، لكن إحدى الاحتمالات هو اضمحلال درجة الكثافة الحدودية لدول المستقبل، أي مدى صلابة أو متانة الحدود في التطبيقات الخاصة بتنقل الأفراد والبضائع والأموال، مقابل ارتفاع درجة أهمية حدود الجماعات الاثنية أو الدينية أو اللغوية، بحيث تزداد الأقاليم الصغرى داخل الدول في تجسيد هوياتها الاعتبارية وفي الممارسات التي تنشأ عن ذلك، في ظل منظومة دولية آخذة حدودها التقليدية بالذوبان. وليس مستبعدا بالتالي في يوم من الأيام، بعد خمسين عاماً أو أقل، أن نجد أنفسنا في فلسطين وإسرائيل بالذات وبسبب وجود الأرضية الموضوعية للتشابك المشار إليه، أكان على أرضية حلّ متوقع أو انعدامه، مضطرين للتفكير في إيجاد معادلة سياسية ما نجسّد فيها أحدى تجليات فكرة "اسراطين" التي نادى بها العقيد ألقذافي، وذلك في مساحة جغرافية / اقتصادية متواصلة ولكن محدودة هي الوطن، يقطنها أكثر من عشرين مليون نسمة، يهوداً وعرباً، متوزعين بالأغلب بالتوالي على عدد محدود من المناطق العمرانية الممتدة، والتي تكاد تكون أطرافها متصلة، روابط بعضها ببعض متعددة النوع والكثافة، يتداخل إحداها بالآخر، من بنى تحتي إنشائي إلى اخر معلوماتي، ومن لغوي أو عائلي أو ديني إلى اخر مالي أو تجاري، بحيث قد يصبح مجديا حينئذ إعادة التفكير بتنظيم البنى السياسي الفوقي، مهما كان شكله وقتئذ، من خلال إنشاء كونفدرالية  بمعنى ما من المعاني المتجددة لهذا المصطلح، بين الأقاليم السكنية/ العمرانية المختلفة، على غرار دول المدن التي تحدث عنها الإغريق يوما ما، في نسق سياسي يمكّن من التفاعل المدني ما بين الناصرة ونابلس في الوقت ذاته الذي يتم به التفاعل المشابه والموازي بين الناصرة العليا وكريات شمونه مثلا، وذلك في ظل منظومة الدويلات المتعددة في الوطن الواحد، ذات العاصمة الواحدة. 

   بالطبع، ندع هذا كله للمستقبل، لكن من المجدي وضعه في عين الاعتبار، لأنه مُخرج منطقي من مجموعة السيناريوهات لما نحن فيه وما قد نتجه إليه، وبه نستدل بشكل أوضح على تعاريج الطريق الذي نحن فيه، وعلى أيها منغلق تماما وأيها أيسر. فننظر أولا إلى ما نحن فيه الآن، وحيث  أننا نتحدث حصرا عن مناطق الـ 67، فنحن نعلم أن الاستيطان الجاد بدأ في القدس مباشرة بعد ذلك العام، بما يسمى حي اشكول، والذي أسس تواصلا سكانيا بين غرب القدس اليهودي وشرقها، وقاطعا سكانيا بالتالي بين وسطها وشمالها العربي، فيما يمكن اعتباره إذن تجسيدا أولا للمبدأ العام في عملية الاستيطان (أي مبدأ التواصل والقواطع ). كما ونعلم إن الاستيطان الجاد في الضفة بدأ في منتصف السبعينات على أيدي داعية السلام بيرس. ونذكر الخلاف الحاد آنذاك بينه وبين رئيس وزرائه رابين، تحديداً بخصوص مستوطنة عوفره، قاب قوسين أو أدنى من المقاطعة التي يحاصر فيها بيرس اليوم شريكه السابق في المفاوضات الرئيس ياسر عرفات.

كما ونعلم أن المد الاستيطاني، أو سلسلة التواصلات والقواطع السكانية / الإنشائية، في القدس أولاً وثم في الضفة وغزة، قد تعرض له بعض الباحثين الإسرائيليين، كميرون بنفنستي  في الثمانينات، كمد غير قابل للنزع يفرض خريطة سكانية / إنشائية على أخرى، أو طبقة على أخرى، في نفس الحيّز أو الفضاء الجيوسياسي، بشكل يخلق تمايزاً سياسياً وحضرياً بين طبقتين ممتدتين أفقياً، علوية وسفلية  من العبث التفكير بالفصل  بينهما عمودياً بشكل منطقي  يوما ما.  وبشكل يدعو للتفكير، من وجهة نظر بنفنستي، بضرورة تحليل الصراع الدائر كصراع منحصر في حيز دولة واحدة، بين قومين، وليس كصراع دولي، وبشكل يدعو إلى التفكير بجدية، أيضا، ومن وجهة النظر الفلسطينية، بانتهاج نظرية تحرر وطني اقرب للنموذج الجنوب إفريقي، منه للنموذج الجزائري، أو نظرية تحرر أفقي في واقع تمييز أفقي، إن كان التحرر العامودي أمراً غير وارد، الطرح الذي لم  يستسغه المثقفون الفلسطينيون وقتذاك.

  أما اليوم، وقد انتقلت الازدواجية الأفقية من الفكرة ومرحلة الملامح الأولى إلى الواقع الملموس، فان أحداً منا لا يمكنه إلا وان يصطدم بهذا الواقع المزدوج في حياته اليومية، هذا الواقع، أي سلسلة التواصلات والقواطع السكانية، الذي ظهرت في ظل العامين الأخيرين وظيفته الثانوية، وهي وظيفة أمنية يمكن تفعيلها أو إلغاؤها حسب المتطلبات، حيث  أصبح القرار الأمني الإسرائيلي ممكنا لتوظيف هذا الواقع المزدوج لحصر التواصل بين القرى الطبيعية ببعضها وبالمدن بطرق فرعية وترابية، جنبا إلى جنب مع سريان التواصل السريع في شبكة الطرق الممتدة بين المستوطنات، وبالمدن الإسرائيلية. وأما أخيراً، واخرا، فلقد تم البدء ببناء مسك الختام في هذا المشروع، وهو تنفيذ السور القفصي، كإطار امني، أو شريط عازل، في هذا التركيب الطبقي الأفقي، والذي أصبح صالحاً لخدمة غرضين في آن واحد، الايديولوجي والأمني، مما يقودنا، من هذا الموقع الزمني والظرفي، إلى محاولة استقراء خارطة طريق المفاوضات المستقبلية ومآلها، وخارطة الإمكانات المتاحة وتعاريجها، مع التأكيد على استذكار المسلمة البديهية في هذا السياق والقائلة بالفرق  النوعي بين  الاستقراء والقراءة.

 يستمر برنامج خارطة الطريق، المنقسم إلى جانب إجرائي وجانب زمني، عبر ثلاث مراحل  تستغرق عامين، تبدأ بالجزئيات، وتنتهي  بمؤتمر دولي يعقد على أساس قرارات الشرعية الدولية  والمبادرة العربية، وذلك لبحث القضايا النهائية، ومن ضمنها الحدود والقدس واللاجئين، وتتوج في منتصفها بالاعتراف الدولي بدولة مؤقتة الحدود ومؤجلة المواصفات النهائية. وبينما يتضمن هذا البرنامج من الجانب الفلسطيني تنفيذ مجموعة إجراءات، إدارية منها وأمنية، فهو يتضمن من الجانب الإسرائيلي  تنفيذ مجموعة إجراءات ( أو استحقاقات، كما يحلو للبعض  تسميتها)، تشمل إزالة المنشآت الاستيطانية غير المشروعة إسرائيليا والتي أقيمت في الآونة الأخيرة، وانسحاب الجيش  الإسرائيلي من المناطق التي اجتاحها قبل عامين.

 ليس مؤكدا، بطبيعة الحال، ولأسباب متنوعة لا حاجة للخوض فيها، أن تتم المرحلة الأولى بنجاح. ولكني أريد التقدم ذهنياً خطوة إلى الأمام، بافتراض إننا قد نجحنا في إتمامها، وأقمنا الدولة المؤقتة تمهيدا للمفاوضات النهائية. إن افتراضنا بإتمام عناصر المرحلة الأولى من هذه الخطة بنجاح يلزمنا افتراض بقاء دينامية الأوضاع التي تخرج عن عناصر الاتفاق على حالها. أي أننا مضطرون للافتراض أيضا إبقاء دينامية التطور الواقع في القدس على حاله، وكذلك بالنسبة للسور الواقي، أو لأية عملية نمو سارية في أية مستوطنة لم تشر إليها خارطة الطريق. من جهة أخرى، سوف افترض، وباعتقادي أن الافتراض في هذا السياق منطقي، إن الدولة المشروطة والمؤجلة المواصفات النهائية لن تمارس سيطرة فعلية، في أحسن الأحوال، وبعيدا عن الخطاب، إلا على تلك المناطق السكنية المشار إليها في اتفاقات أوسلو المتلاحقة، والتي انسحب الجيش الإسرائيلي طوعاً منها.

 نحن نقف الآن إذن على عتبة المؤتمر الدولي المشار إليه في خريطة الطريق، وقد أوفدت الدولة الفلسطينية وفدها المفاوض، بطواقمه الفنية وأوراقه، وأجرت الاتصالات الدبلوماسية اللازمة لضمان اكبر قدر من الاصطفاف والتأييد، ونشرع الآن في تحديد أو استجلاء موقفنا النهائي، إلى جانب  موقفنا التفاوضي المصرح عنه، ما هو، كما ونبدأ في استجلاء موقف الطرف الأخر، التفاوضي والنهائي، مع تحديد إن ذلك الطرف، حتى ولو كان جناح  بيرس في حزب العمل قد اشترك معه في الحكومة، لا زال يقوده شارون وغالبية حزب الليكود من ورائه.

 ونتساءل الآن، ما هي المخرجات المتوقعة من هذا المؤتمر ؟

سوف يشمل هذا المؤتمر ثلاث هيئات  اعتبارية فاعلة أساسية، هي المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة، والطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، وكيفما نظرنا فان المعادلة التفاوضية، بالتبسيط، بين هذه الهيئات في هذا المؤتمر، سوف تكون معادلة الطالب والمطلوب منه والوسيط بينهما. فللطالب طلبه وللوسيط قدرته وللمطلوب منه حده. والطرف الفلسطيني هو الطالب لأننا نحن الذين نطالب بعقد هذا المؤتمر، ونتأمل أن نحصل منه على نتيجة مرضية لنا، والمطلوب منه هو الإسرائيلي، لأنه هو الطرف الذي نأمل أن نحصل على نتيجة مرضية منه، وأما الوسيط، فهو الذي نأمل أن يمارس ضغطه على المطلوب منه لاستخراج هذه النتيجة. وسوف  أحاول صياغة مواقف هذه الأطراف، وتحديداً صياغة المتوقع من الوسيط فلسطينيا، وما يمكن أن يقبل من الوسيط إسرائيلياً.

أما أولاً، فلنبدأ بالاحتمالات العامة، وهما إما الفشل أو النجاح بالمعنى الظاهري المتعارف عليه، أما الفشل، فأشكاله متعددة، إذ قد تتفجر المفاوضات مثلما حصل سابقا، أو قد يتم إنهاؤها بدبلوماسية تبقي الأبواب مفتوحة للاستمرار. وفي الحالتين، أي كيفما اتفق شكل الفشل، فالأغلب أن ينتج عن أي منهما ترسيخاً إضافيا للواقع الأفقي المزدوج الذي تحدثنا عنه سابقاً، إن كان بوجود دولة معترف بها أو بدونها، وصولاً، في حال بقاء الوضع على حاله، وبعد فترة زمنية معينة، إلى ضرورة إحداث تغيير في مفاهيم الممكن سياسياً، والمطالب به. أي إلى استبدال رؤية الدولة كهدف سياسي وطني، برؤية الانعتاق السياسي في دولة ثنائية القومية أو كونفدرالية. وفي خلاف ذلك فقد يطرأ تغيّر غير متوقع في مرحلة لاحقة على طبيعية المفاوض في الطرف الآخر، ولا ننفي هذا الاحتمال نظريا، ويتمكن احدهم، ولنقل يوسي بيلين مثلا، بما يمثله من موقف سياسي، من استلام زمام أمور الشعب الإسرائيلي، فيعود به وبنا إلى المفاوضات لإيجاد حل عمودي، وينجح، أو ننجح كلانا في ذلك.

 مما يعيدنا إلى النظر في الاحتمال الآخر، وهو النجاح بالمفهوم الظاهري المتعارف عليه. فإذا ما نجحت مفاوضات المؤتمر الدولي مع شارون، فبأي معنى يا ترى يكون ذلك من المنظور الفلسطيني؟ نبدأ أولا بوضع فرضيات موقف شارون في هذه المفاوضات: ما الذي سوف يحمله معه كموقف تفاوضي، وموقف نهائي، وما الذي سوف يحاول أن يسعى لتحقيقه؟ استدلالاً بتصريحاته وكتاباته وتاريخه وشخصيته، فإنني سوف أضع الافتراض الأتي: سوف يحمل شارون معه موقفين، دعنا نسميهما الموقف الأمني والسياسي، يتضمن الثاني، وهو الاشمل، الأول، ولكن ليس العكس، وسوف يهدف لتحقيق الاشمل وفق مواصفات سوف أحددها، ولكنه سوف يكتفي بتحقيق الثاني في حال الإخفاق في تحقيق الأول. بمعنى آخر، سوف يدخل المؤتمر وقد حدد لنفسه مسبقاً كيف يخرج راضياً منه.

أما مواصفات الحل السياسي، فسوف يطرح الهامش التفاوضي للحدود بين الدولتين بين القائم آنذاك (مناطق اوسلو)، والشريط الأمني، مع سيطرة حدودية شرقية (قد يطرح فيها هامشاً تفاوضياً جغرافياً و/أو زمنياً)، والإبقاء على مناطق المستعمرات الأساسية، والقدس، (وقد يطرح فيها مساحة تفاوضية يبقى فيها للسياحة الدينية، وحتى السياسية، مجالاً). أما من الطرف الأخر، فسوف تشمل طلباته الثابتة وغير القابلة للتفاوض حصر حق العودة في مناطق الدولة، والضمانات الأمنية، وإنهاء حالة الصراع. فإذا لم ينجح من منظوره في تحقيق هذا الهدف السياسي، أي إذا ما فشلت بالتالي مفاوضات المؤتمر مع الجانب الفلسطيني، يعود شارون وفي جعبته الواقع الأمني الذي فرضه على الأرض، فيكون قد أنهى احتلاله الملامس للسكان، وأبقى على المستوطنات والمناطق الحدودية والقدس، وسلسلة التواصل والقواطع، وثبّت الشريط العازل، وهيأ الوضع لمرحلة لاحقة قد تأتي من بعده، يتفاوض فيها الفلسطينيون على توسيع حدودهم حتى تلامس الشريط العازل، أو ما يقاربه شرقاً أو غرباً.

 أما من المنظور الفلسطيني، فان نجاح المؤتمر مع شارون يجب أن يعني إحداث تغيير في برنامجه وموقفه السياسي، فالعودة إلى ما نحن فيه سوف يعتبر فشلا، وكذلك تنفيذ رؤيته للدولة المختصرة، مما يستلزم التصور للتأثير على موقفه، أي الدفع به للقبول بحل أو تصوّر قد بات يكون متعارفاً عليه دولياً، فيرضى بالانسحاب إلى حدود الـ 67، وتطبيق بقية عناصر الحلّ التي نقرنها بالعادة مع أمثال يوسي بيلين، أي أن نجاح التفاوض مع شارون يتجسد في تبنيه لتلك المواقف المنسوبة بالعادة لليسار الإسرائيلي، مما يعني قبوله بدولتين يحد الحد الأخضر بينهما، مع تبادل حدودي ما، وتقاسم ما حول القدس، والسماح عملياً للاجئين بالعودة إلى الدولة الفلسطينية وتعويضهم، وإزالة المستوطنات أو غالبيتها، وإنهاء ملف الصراع على ذلك.

 هل يمكن أن نتصور صياغة أخرى لمفهوم نجاح المؤتمر الدولي من المنظور الفلسطيني ؟ لماذا لا نطالب أو نتوقع أن يتمخض المؤتمر الدولي عن فرض أو تطبيق الحلم الفلسطيني جُملةً ؟ ونعتبرُ هذا التطبيق أو الفرض، وفقط هذا، هو معيار نجاح ذلك المؤتمر؟ بمعنى، تحديداً، أن تتقدم إسرائيل أولا باعتذار جماعي للشعب الفلسطيني لما تسببته من أذى لهم، وتعويضهم جميعا عن ذلك الضرر، ثم أن تسحب جيوشها ومستوطنيها كافة من كلِ شبرٍ من الأرض التي احتلتها عام 67، بما في ذلك كافةِ المناطق السكنية في القدس وما حولها، كرمات اشكول المذكورة سابقا، وحي المغاربة المحاذي للمبكى أو البراق، وغيرهما، ثم أن تبدأ في المفاوضات حول حدودها مع الجانب الفلسطيني، بحيث يكون أي تبادل حدودي، إذا ما تم، فيقع بين حدود التقسيم وحدود الرابع من حزيران 67، وذلك كله تطبيقا لقرارات الشرعية الدولية، وثم أن  تفتح أبوابها بعد ذلك لكافة اللاجئين الذين يرغبون بالعودة إلى بيوتهم الأصلية، فتخليها لهم إن كانت مقطونة، أو تعيد تشييدها إن كانت قد دمرت أو اندثرت، ونكون بالتالي  فعلا قد اقتربنا من إحقاق الحق وتطبيق العدالة، وان نكن مع ذلك لا زلنا مغبونين.

 ببساطة، حالما من يعتقد ان هذه  المخرجات ممكنة من المؤتمر  الدولي المزمع عقده (إذ أنها ببساطة مدمرة بالنسبة لإسرائيل)، كما أن من غير  الواقعي التعويل على موقف  دولي، تترأسه الولايات المتحدة، يتبنى محاولة فرض هذه الصيغة على الطرف الإسرائيلي (إذ لا يوجد سبب لوقوف الولايات المتحدة بجانبنا لتدمير البنية الإسرائيلية). إن أقصى ما يمكن للمجتمع الدولي حث إسرائيل على القبول به، لن يفوق بكثير ذلك التصوّر الذي أعزيناه لـِ بيلين، ولليسار الإسرائيلي المهمّش، والذي يقارب لتلك الصيغة التي تم تحديد ملامحها، وإن يكن  بشكل مبدئي فقط، في مفاوضات طابا قبل عام ونصف العام.

إذن، حتى إذا ما افترضنا تفعيلاً ايجابياً للوسيط الدولي في المؤتمر المذكور، فان أقصى ما يمكن الوصول إليه، هو الدفع بشارون للقبول بمثل تلك الصيغة، أو سوف نعتبر إن قبوله بها يشكل نجاحاً من المنظور الفلسطيني، وتراجعاً في برنامج شارون سابق الذكر. فإذا ما أجملنا القول في كل ذلك نجد أن فشل المؤتمر بالمعنى المتعارف عليه ظاهرياً سوف يعني العودة إلى دينامية ترسيخ الواقع الأفقي الثنائي أو المزدوج، مع تقلص إمكانية إيجاد مخرج عمودي فيما بعد، بينما يعني نجاحه في أقصى الدرجات بالمعنى المتعارف عليه إقامة دولتين متجاورتين على حدود 67، مع إمكانية التبادل الحدودي المتفق عليه من الطرفين، وإخلاء المستوطنين كافة من الدولة الفلسطينية، وإيجاد صيغة تقاسم سيادي في القدس تسمح لكونها عاصمتين لدولتين، وإيجاد صيغة للاجئين تمكنهم من ممارسة حق العودة في إطار الدولة الفلسطينية، مع إمكانية استعياب جزء منهم لأسباب إنسانية داخل إسرائيل، فضلاً عن تعويضهم كافة، أي مبادىء الصيغة التي وقعتها مع أيالون، والتي يرتفع سقفها عن سقف موقف بيلن وطابا،  والتي تشكّل مبــاديء رؤية الحملــة الشعبية للسلام، كمــا ويمكن القول أيضا إن مــن بين هذين الاحتمــالين، وفي ظـلّ فهمنا للواقــع الإسرائيلي، وإذا ما استثنينا التدخل الفاعل الدولي، فالاحتمال الأكبر هو فشل المؤتمر وليس نجاحه، ويبقى عنصر فاعل في المعادلة لم أذكره، وله القدرة في إعادة ترجيح ميزان الاحتمالات، سوف أعود إليه بعد ملاحظة أخيرة تتعلق بمعنى الفشل والنجاح. وأريد الإشارة هنا إلى من قد ينظر إلى النجاح والفشل ليس بمفهومهما المتعارف عليه ظاهرياً، وإنما من منظار آخر كلياً، فيتحرى من خلال خريطة الطريق، ليس للتوصلِ إلى حلٍ نهائي، وإنما لتحقيق دولة، أو سلطة، على الأرض، مهما كان شأنها، فيكتفي بهذا مرحلياً، ويرضى بحالة عدم الوفاق والاتفاق فيما بعد، وذلك إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا، وذلك كله على اعتبار إن إسرائيل زائلة، كما يجب أن تكون، وان حرب التحرير مستمرة، بأشكالها ومراحلها المتعددة، تتناقلها الأجيال وتتوارثها. وان اختلف صاحب هذا الرأي تكتيكياً مع جبهة الرفض، فهو يلتقي معها استراتيجياً، وهو يعتبر بالتالي النجاح التفاوضي، بمعناه المتعارف عليه، فشلاً، والفشل التفاوضي نجاحاً. إنني شخصياً أرى أن موقع من يحمل هذا الرأي، في حال فشل المفاوضات بالمعنى المتعارف عليه، سوف يكون نفس موقع بقية أبناء جلدته، في الطبقة السفلى من بنيان مزدوج، وسوف يفرض عليه، كما على جيرانه، تحديات جديدة تتطلب قلب المناظير الإيديولوجية رأساً على عقب، عاجلاً أم آجلاً.

قد يُظن الآن إنني انتهيت، إذ قد حاولت تبين آفاق المؤتمر كما أظنّها، ورجحت الفشل إلاّ إذا لوّح بوش بعصاه، فأحال شارون بيليناً. لكن الحق غير ذلك، إذ أن المؤتمر ليس مخلوقاً جامداً لا يمكن التأثير عليه إلا بعصا بوش. بل إنني أعتقد، وهذه آخر ملاحظة، بأن الطرف الفلسطيني يمكنه العمل على إنجاح المؤتمر، بالمفهوم الذي تم تحديده، بفاعلية أحدّ من العصا، وذلك من خلال استباق الظرف، ونزع التأييد الجماهيري الإسرائيلي للموقف الشاروني المتطرف بدءاً، مما سوف يفقد شارون القدرة على ممارسة موقفه المشار إليه. إن هذا الأمر يتطلب أن يبدأ الشارع الإسرائيلي بالمطالبة بتطبيق مخرجات المؤتمر الدولي الناجح مسبقاً، فإذا ما فعل ذلك، فسوف يدفع بالأغلب بشارون على التغيّر، أو على تغيير موقفه، خاصة وإن ترافق هذا الموقف الجماهيري، مع الحث الدولي في نفس الاتجاه. بالتالي فإذا كان إنجاح المؤتمر مصلحة فلسطينية، فإن دفع الشارع الإسرائيلي بهذا الاتجاه هو أيضاً كذلك. قد يقال كيف، وقد يقال ليس ممكناً. أما بالنسبة لما هو ممكن، فالتجربة أساس البرهان. وأما بالنسبة للكيفية، فالجواب ببساطة من خلال تحريك جماهيري فلسطيني، والمطالبة فلسطينياً بنفس مبادئ الحل التي يراد للشارع الإسرائيلي المطالبة بها، والتي ندرك إنها عناصر المؤتمر الناجح.

إن استظهار مطالبة فلسطينية بتلك المبادئ، إلى جانب كونه ممارسة ديموقراطية لتقرير المصير، أي للتأثير الفاعل على هذا المصير، من شأنه استظهار مطالبة إسرائيلية بها. وأما الخروج بموقف جماهيري حاشدٍ ومشترك بهذه المطالبة فمن شأنهِ التأثير على مخرجاتِ المؤتمر المزمع عقده، والدفع به نحو النجاح، بالمفهوم المحدد آنفاً.