" أما بعد ... "

  صحيفة القدس

26\9\2001 

 

ما الذي يتوقع أن يشهده العاقل منا -عربياً كان أم يهودياً- كآفاق مستقبلية محتملة للأحداث الموية المتصاعدة التي تشهدها ساحة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي؟ هذا سؤال علينا جميعاً "العقلاء والمتشبهين بهم" التفكير به ملياً وبتجرد.

بالتأكيد، ليس عاقلاً من يتوقع، على الجانب الإسرائيلي، أن يتم التغلب على الأزمة استراتيجياً عن طريق إزالة وجود الشعب الفلسطيني عن أرض فلسطين التاريخية، ولكن ليس عاقلاص كذلك من يتوقع، على الجانب الفلسطيني، أن يتم التوصل إلى السلام المنشود عن طريق إزالة وجود الشعب اليهودي عن هذه الأرض، فالشعبان موجودان، وأغلب الاحتمالات أنهما سوف يستمران في الوجود، والصراع بالتالي بينهما من شأنه أن يستمر إن لم يضعا حداً له.

من جهة ثانية، ليس عاقلاً من يتوقع، من الطرف الإسرائيلي، أن تتمكن إسرائيل من فرض حل بالقوة على الفلسطينيين، من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار، لكن الأمر هو كذلك بالعكس أيضاً، أي أن الإسرائيليين لن يذعنوا من طرفهم إلى حل يفرض عليهم بالقوة، فالقوة وحدها لا تحقق الاستقرار، بمعنى الديمومة النسبية للأمن، إن لم يكن لشيء فلأنها ليست صفة ملازمة، أي دائمة، لشعب دون شعب.

إذن، فالعاقل منا، عندما ينظر أمامه، لا يمكنه أن يشهد إلا مستقبلاً حافلاً بالمواجهات وسفك الدماء، أو حاجة منطقية إلى حل النزاع سلمياً وبالاتفاق.

قد يقال: لقد جربنا العملية السلمية، وها هي قد باءت بالفشل -وكل منا سوف يجد مبرراً لهذا الفشل من وجهة نظره-، وها هو الطرف الآخر عاقد العزم على استمرار المواجهة ولا توجد لديه النية للتوصل إلى سلام أصلاً، فالنظرية القائلة بإمكانية حل النزاع سلمياً ليست نظرية سليمة، والسلام ليس خياراً عملياً.

صحيح أن التجربة قد فشلت، ولكن علينا أن نتساءل: هل الذي باء بالفشل حقاً هو النظرية؟ وهل نحن الطرف الوحيد الذي يؤمن بالسلام؟

باعتقادي، لم يكن الخلل في النظرية، وإنما كان في شكلها كما وفي ترجمتها وتطبيقها.

لم القول أن الخلل ليس في النظرية؟

إسرائيلياً، فإن عدم التوصل إلى حل يضع الدولة في خطر التحول تدريجياً، وعاجلاص أم آجلاً، أما غلى دولة عنصرية على غرار دولة "الأبارتهايد" في جنوب إفريقيا، مما ليس من شأنه أن يجلب الأمن أو السلام المنشود، أو إلى دولة ثنائية القومية بكل معنى الكلمة، مما سوف يفقد الدولة يهوديتها، وهذان الخياران يشكلان مشكلة استراتيجية تتطلب حلاً استباقياً أو وقائياً لمعالجتها، إذن، فحاجة إسرائيل إلى الحل هي حاجة استراتيجية.

أما فلسطينياً، فإن الحلم المنشود بتجسيد هوية قومية في إطار سياسي لا يتأتى إلا عن طريق إقامة دولة وطنية منفصلة -أو مستقلة- وتفويت الفرصة لتحقيق ذلك، أو الدفع إلى ما هو أبعد من ذلك، إنما سوف يضع الفلسطينيين في ذلك الاشتباك الاستراتيجي الديمغرافي مع الإسرائيليين الذي لن يعود في أحسن الأحوال من وجهة نظرهم، إلا إلى دولة لا تكون الهوية الوطنية الفلسطينية فيها هي السمة السياسية الغلبة، إذن فإن حاجة الفلسطينيين هي أيضاً حاجة إستراتيجية.

إذن فالعقل يقول، أن الحل المشترك للمشكلتين الإسرائيلية والفلسطينية، وليس لإحداهما فقط، إنما يكمن في التوصل إلى سلام فاصل بين الشعبين، والنظرية القائلة بتأسيس هذا الحل على إقامة دولتين متجاورتين هي نظرية سليمة، طالما بقي هذا الحل ممكناً من الناحية الجغرافية/ الديمغرافية -فالزمن لا يستمر على حاله في انتظار العقلاء-.

لكن، إذا كانت نظرية الحل سليمة، فلماذا فشل تطبيقها؟ هل لأان الطرف الآخر لا يؤمن بالسلام؟ أو لأنه ليس طرفاً عاقلاً؟

بالتأكيد، الأسباب متعددة ومتنوعة، لكنه يمكن حسب رأيي تحديد ثلاث عقبات رئيسية اعترضت الحل، أما بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا زالت تعترضه، ويتوجب على الشعبين مواجهتها ومعالجتها، ويمكن تصنيف هذه العقبات كمواقف أو حالات نفسية متأصلة، الأولى فلسطينياً، والثانية إسرائيلياً، والثالثة مشتركة بينهما.

العقبة الأولى، من الجانب الفلسطيني، تكمن في تمسك الشعب الفلسطيني بلأرض المحتلة عما 1967 كالحيز الجغرافي والسياسي/ المعنوي المقبول لإقامة الدولة الفلسطينية، ولذلك فإن محاولة إسرائيل الانتقاص من هذا الحيز بشكل أو آخر -المماطلة، المصادرة، الاستيطان، إلخ-، بالتأكيد سوف يؤدي بالمفاوضات إلى الفشل.

أما العقبة الثانية، وهي من الجانب الإسرائيلي، فهي تكمن بتمسك إسرائيل برفضها "مبدأ العودة" أو استقبال أفواج اللاجئين إلى أراضيها، وبالتالي، إلى بيوتهم وأراضيهم الأصلية بالتأكيد أيضاً سوف يؤدي بالمفاوضات إلى الفشل.

وأما العقبة الثالثة، وهي المشتركة، فهي قضية القدس، حيث أن أحداً من الطرفين ليس على استعداد للتنازل عنها، مما يعني أن الحل الممكن، إن وجد، لا يكون إلا بتصميم معادلة لمشاركتهما معاً بالسيادة عليها، على غرار ما حاول الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون أن يفعله في آخر أيامه في الرئاسة، فإن لم تكن الخطوة الأولى من الطرفين هي مواجهة ومعالجة هذه المسائل الثلاثة، والاتفاق على حلها، لن تكون هنالك خطوة أخيرة في الحل، والمخارج السياسية الانتقالية -سياسة المراحل، أو تقرير ميتشل، أو خطة تينت أو غيرها- لن تؤدي إلى السلام المنشود.

باعتقادي، لو نظر كل عاقل فينا داخل ذاته، لوجد أن ما أقوله ليس شيئاً غريباً أو جديداً، بل لوجد أن هذا أمر يعرفه أصلاً.

فهل للعاقل فينا أن يرفع صوته عالياً، أم نترك مصيرنا المشترك للعابثين أو المنتفعين أو غيرهم؟